ناصر زيدان التميمي
في عمق هذا المشهد الجيوسياسي المعقد، تبرز إسرائيل كلاعب خفي يسعى لترجمة عقيدة «حياكة الدوائر» إلى واقع ملموس، حيث ترى في استقرار الدول المحيطة بالمملكة العربية السعودية عائقاً أمام طموحاتها الإقليمية. إن الدور الإسرائيلي في محاولات تقسيم اليمن والسودان والصومال ليس مجرد تدخل عابر، بل هو استثمار طويل الأمد في «سياسة الأطراف» التي تهدف إلى إضعاف المركز العربي من خلال تمزيق أطرافه، لضمان ألا تنهض كتلة عربية موحدة قادرة على فرض سيادتها الكاملة على الممرات المائية الحيوية كالبحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وتسعى الاستراتيجية الإسرائيلية إلى تحويل هذه الدول إلى «كيانات وظيفية» غارقة في صراعاتها الداخلية، مما يبرر الوجود العسكري الأجنبي ويفتح الباب أمام إسرائيل لتقديم نفسها كشريك أمني أو تقني لمواجهة الفوضى التي ساهمت هي في تغذيتها بطرق غير مباشرة. هذا المخطط يهدف بالدرجة الأولى إلى استنزاف الدور القيادي للمملكة العربية السعودية، ومحاولة تطويق نهضتها التنموية بحزام من الأزمات المستمرة، لتبقى الرياض منشغلة بملفات التهديدات الحدودية بدلاً من قيادة القطب الاقتصادي الإقليمي الجديد.
ومع ذلك، فقد اصطدمت هذه الطموحات الإسرائيلية بجدار صلب من الوعي الاستراتيجي السعودي الذي يقوده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-؛ فبدلاً من الانجرار خلف صراعات الاستنزاف، تبنى ولي العهد استراتيجية «بناء الجسور» وتفكيك الألغام عبر الدبلوماسية النشطة. لقد أدركت القيادة السعودية أن الرد الأمثل على محاولات التفتيت الإسرائيلية يكمن في فرض الاستقرار كواقع إجباري، وهو ما تجلى في رعاية الاتفاقات السياسية في السودان واليمن، وفي توجيه رسالة واضحة للعالم بأن أمن البحر الأحمر هو شأن سيادي للدول المشاطئة له بقيادة المملكة.
إن هذا الوعي القيادي لم يكن لينجح لولا وجود شعب سعودي يمتلك بصيرة سياسية نافذة، حيث أدرك المواطنون مبكراً أن إثارة القلاقل في دول الجوار هي محاولات يائسة للنيل من مكانة بلادهم. لقد أثبت المواطن السعودي أنه شريك حقيقي في حماية الأمن القومي، بوقوفه خلف قيادته ورفضه لكل أشكال التضليل التي تحاول تبرير التدخلات الخارجية أو تقسيم المقسم، مما جعل الجبهة الداخلية السعودية هي الصخرة التي تتكسر عليها كافة المشاريع الهادفة لإعادة تشكيل المنطقة وفق الهوى الإسرائيلي.
وفي المحصلة، فإن الدور السعودي اليوم بقيادة سمو ولي العهد يمثل النقيض المباشر للمشروع الإسرائيلي؛ فبينما يسعى الآخرون للتفتيت، تبني الرياض منظومة أمنية واقتصادية متكاملة تهدف لنقل المنطقة من عصر «إدارة الفوضى» إلى عصر»صناعة الازدهار».
هذا الحزم السعودي، مدعوماً بوعي شعبي لا يتزلزل، هو الكفيل بإحباط كافة المسارات التي تستهدف توازن الإقليم، لتظل المملكة هي المرتكز الذي يفشل كل مخططات الغرباء وتجار الحروب.
حفظ الله لنا ولي أمرنا، خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، اللهم أيدهما بتوفيقك، وسدد خطاهما، ووفقهما لما تحبه و ترضاه، واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين.