أ.د.صالح معيض الغامدي
على الرغم من أننا اعتدنا على قراءة السيرة الذاتية مسرودة بضمير المتكلم، وصار توظيف هذا الضمير علامة فارقة في كتابة السيرة الذاتية وتلقيها، إلا أن كتابة السيرة الذاتية بضمير الغائب أسلوب معروف في تراثنا العربي القديم، فقد وظَّفه أبو شامة، وابن الجزري، وابن حجر، والسخاوي في كتابة سيرهم الذاتية التي كتبوها، رغبة ربما في التواضع، ووُظِّف هذا الضمير في بعض السير الذاتية العربية في العصر الحديث، ولعل من أشهرها «الأيام» لطه حسين، ووظِّف كذلك في بعض السير الذاتية السعودية، كلياً كما نجد ذلك في سيرة د. ساعد العربي الحارثي» رحلة على قمة التحدي»، وجزئياً كما نجده في سيرة د. مسعد العطوي»التحول (سيرة ذاتية)».
ومن آخر السير الذاتية السعودية التي اطلعت عليها ووجدتها توظِّف ضمير الغائب سيرة د. عبدالله بن مساعد الفالح «فتى الطمنة»، رغم أنه وُضع على غلافها مصطلح «رواية» وهي حقيقة ليست رواية بالمعنى النقدي المعروف، وإنما هي سيرة ذاتية كتبت بضمير الغائب كما سنرى. ولعل مما يؤكد ذلك الدلالة العامة التي ألصقها الكاتب بمصطلح رواية، عندما قال في مقدمة سيرته «وعندنا في السعودية وتحديداً في نجد يعرفون الرواية، ولكن بمسمى آخر، فيسمونها «سالفة» فإذا قالوا فلان ما عنده سالفة فإنهم يقصدون ليس لديه سالفة يرويها للناس». وهذا التعريف للرواية الذي أورده الكاتب يعني فيما يبدو لي القصة السيرذاتية التي يرويها الشخص للآخرين حول تجاربه الحياتية، وصلتها بفن الرواية ضعيفة جداً. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن كاتب السيرة الذاتية لا يوظِّف بعض التقنيات السردية التي يوظِّفها كاتب الرواية ومنها استعمال ضمير الغائب، لأن هذا الضمير يوفر، كما هو معلوم، مسافة جمالية ونقدية وأخلاقية واجتماعية بين الكاتب وبطل السيرة تمكنه من التعليق على التجارب الحياتية التي قام بها البطل وتفسيرها ونقدها ... إلى آخره، ولكن هذا التوظيف في حد ذاته لا يجعل منها رواية حقيقية بطبيعة الحال.
و«فتى الطمنة» هي في الواقع سيرة ذاتية جميلة كُتبت بضمير الغائب ربما رغبة في التواضع واستثمار الأبعاد الفنية السردية لهذا الضمير في آن معاً. وهي أيضاً سيرة ذاتية علائقية بامتياز، فهي تولي سرد حياة المجتمع أو المجتمعات التي عاش فيها بطل السيرة «عبدالله»، وبخاصة في زمن الطفولة، اهتماماً بالغاً يكاد يساوي الاهتمام الذي يوليه الكاتب لسرد تجاربه الفردية الذاتية، بل إن بطل السيرة كثيراً ما نعثر عليه في ثنايا التفاصيل الدقيقة التي يوردها الكاتب في سرد حياة أهل القرية رجالاً ونساءً وسرد شؤونهم وعاداتهم وتقاليدهم ومظاهر الحياة في بيئاتهم القروية والبدوية والحضرية ...، حتى ليخيل للقارئ أنه يقرأ سيرة ذاتية اثنوغرافية، يستخدم الكاتب فيها حياته وسيلة لفهم المجتمع الذي عاش فيه وتصويره. وقد اعتمد الكاتب في تحقيق ذلك على توظيف العناوين الفرعية الموضوعية القصيرة الكثيرة لاستيعاب كل ما يمكن أن يتذكره الكاتب في طفولته وصباه وشبابه إلى وقت كتابة السيرة، وقد بلغ عدد عناوين الفصل الأول وحده، على سبيل المثال، 214 عنواناً، وقس على ذلك بقية الفصول الستة الأخرى.
وعلى الرغم من أن هذا الضرب من العنونة قد أثَّر قليلاً ربما في الترابط السردي للسيرة فإنه قد أثراها موضوعياً ثراءً واسعاً، ومكَّن الكاتب من أن يضمن سيرته الذاتية قدراً كبيراً من التجارب والمعلومات الحياتية الخاصة به وبمجتمعه، ولذلك فإن هذه السيرة تعد مرجعاً علمياً واجتماعياً أنثروبولوجياً مهماً، يحقق على الأقل أحد الأهداف التي يريد الكاتب تحقيقها من كتابة سيرته هذه، وهو، كما ورد على الغلاف الخلفي للسيرة، رصد «نهضة البلد ونمط الحياة وأسلوب المعيشة في حقب متتالية لستة عقود تشكَّلت معها أطياف المجتمع وسلوكياته...».
(للمقال بقية)