عبدالوهاب الفايز
في مقال الأسبوع الماضي تم التأكيد على المسؤولية التاريخية للحكومات العربية والإسلامية في حماية شعوبها من المشاريع التخريبية والتهديدات الوجودية، مع الدعوة إلى إنشاء تحالف جديد يجمع هذه الدول لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية. وبذرة الرغبة للاتحاد موجودة لدى القيادات العربية والإسلامية إذا توفرت الفرص وبرزت التحديات.
والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عبر عن وعي وإدراك قيادات الدول الكبرى في العالم العربي بأهمية صيانة الجبهة الداخلية للدول وعدم التدخل بشؤونها، والسيسي قال مخاطبًا المصريين: «افتخروا ببلدكم، فمنذ عام 2014 لم تشارك مصر في أي مؤامرة لتدمير المنطقة أو تقسيمها، وأولئك الذين تسببوا بسفك الدماء وزعزعة الدول وتدمير المنازل، سيواجهون العدالة الإلهية وسيحاسبون.» ومصر العظيمة تعلمت الدروس من العقود الماضية، فبعد مرارة النكبة وخسارة التدخل في اليمن عادت إلى ذاتها واستلهمت الحكمة السياسية من تاريخها المشرف والحافل بالتضحيات، فقررت حماية أمنها واستقرارها والعمل على حماية الأمن القومي العربي، وهذا يوضحه موقفها الحالي من الصراع في السودان. والجميل قول السيسي: «ربنا سوف يحاسب كل زعيم أو إنسان تسبب بنزول كل قطرة دم دون وجه حق.
والرغبة بوجود كيان عربي إسلامي جديد يأتي يدعمها التحولات الواضحة في سلوك إسرائيل التي انتقلت من وضعية الدفاع إلى (ردع عسكري) مفتوح، حيث تشمل عملياتها ضرب الأعداء ومن تشاء من الدول الجماعات على حد سواء، بدعم أمريكي عسكري وسياسي وقانوني واسع. كما يروج قادة إسرائيل وحلفاؤهم في الغرب لفرصة استثمار الوضع الحالي، من خلال (تشجيع الانشقاق) عن المحيط العربي والإسلامي عبر وعود بالتحالفات والدعم العسكري، مدعين قيادتهم للشرق الأوسط!
هذه الدعوة للاتحاد تأتي في وقت يُعد مفترق طرق حقيقي، كما أكدت الآراء والمواقف المطروحة في منتدى دافوس 2026، حيث يشهد العالم تحولات جيوسياسية تعيد تشكيل التحالفات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
في اغلب التقارير والتحليلات الجيوسياسية المتعددة التي نُشرت مع بداية عام 2026، هناك اتفاق إلى أن العالم يتجه نحو تفتيت التحالفات التقليدية وتشكيل كتل جديدة، مدفوعًا بسياسة (أمريكا أولاً) في ولاية دونالد ترامب الثانية، التي تركز على المصالح الوطنية الأمريكية، مما يدفع الحلفاء التقليديين إلى البحث عن بدائل لضمان استقرارهم.
من الأمثلة البارزة على هذه التحولات، توقيع الاتحاد الأوروبي وكتلة ميركوسور (في أمريكا الجنوبية) اتفاقية تجارية في يناير 2026، والتي أُبرمت رسميًا في 17 يناير 2026 في أسونسيون، باراغواي، بعد مفاوضات طويلة. في بيانات المفوضية الأوروبية وتقارير إعلامية موثوقة (مثل رويترز وموقع المفوضية الأوروبية)، يُنشئ هذا الاتفاق منطقة تجارة حرة تضم أكثر من 700 مليون شخص، مع خفض تعريفات على أكثر من 90% من السلع والخدمات، ويدعم التنمية المستدامة والحقوق الإنسانية والتعاون في الطاقة النظيفة والزراعة، في سياق رغبة أوروبا في تنويع شراكاتها بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة أو الصين.
كذلك، وقّعت كندا في يناير 2026 اتفاقًا استراتيجيًا أوليًا مع الصين، يركز على خفض التعريفات على السيارات الكهربائية والمنتجات الزراعية مثل بذور الكانولا، إلى جانب التعاون في الطاقة النظيفة والتكنولوجيا. يأتي هذا الاتفاق كرد فعل على التهديدات الأمريكية بفرض تعريفات عالية (تصل إلى 100% في بعض الحالات)، مما دفع كندا إلى البحث عن شركاء بديلين. وفي كلمته أمام منتدى دافوس في يناير 2026، أكد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني على «النهج المبدئي والبراغماتي»، مشددًا على بناء استقلالية استراتيجية وتنويع الشراكات الدولية لمواجهة عدم اليقين العالمي، وهو موقف يعكس تحولًا ملحوظًا نحو الاستقلال عن الولايات المتحدة.
هذه التطورات تؤكد أن الحلفاء التقليديين لأمريكا، مثل أوروبا وكندا، يخططون لمستقبلهم بشكل مستقل من خلال تحالفات جديدة تحمي مصالحهم الاقتصادية والأمنية.
في ضوء هذه التحولات، تبرز الحاجة الملحة إلى إنشاء اتحاد للأمن والتعاون والتنمية بين الدول العربية والإسلامية، على غرار الاتحاد الأوروبي أو ميركوسور، لمواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة (كالصراعات في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي) والتحديات الاقتصادية الناتجة عن تقلبات أسعار الطاقة والتغير المناخي.
غياب كتلة موحدة يعرض هذه الدول للتدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية، كما حدث في اليمن وليبيا والسودان.
يمكن أن يركز هذا الاتحاد على ثلاثة محاور رئيسية: الأمن المشترك عبر آليات دفاعية لمكافحة الإرهاب والتهديدات الخارجية؛ التعاون الاقتصادي من خلال اتفاقيات تجارية تفضيلية لتعزيز التبادل وتنويع الاقتصادات بعيدًا عن الاعتماد على التصدير الخام؛ والتنمية المستدامة عبر مشاريع مشتركة في الطاقة المتجددة والتعليم والصحة. هذا الإطار يساعد في حل النزاعات سلميًا، ويعزز التفاوض الجماعي مع القوى الكبرى، ويحمي المصالح المشتركة، كما يقوي الهوية الثقافية والدينية ويقلل من تأثير الاستقطاب الدولي.
في ظل تزايد نفوذ الصين وروسيا في المنطقة، وعدم التحرك نحو مثل هذا الاتحاد قد يؤدي إلى مزيد من الضعف والانكشاف، وايضا في ظل تساهل بعض الدول والجماعات في قضايا الامن والدفاع ومصالح الشعوب، وفي ظل توسع المشروع الصهيوني وغطرسته واستنفاره لأنصاره وحالة (اللعب على المكشوف) كما يقال، أمام هذه المتغيرات الوجودية الخطيرة ليس أمام شعوب المنطقة إلاّ التوحد ونبذ الخلاف وردع الجهال ومراهقي السياسة والحكم.. أو مواجهة المخاطر والقلاقل!
والتحوط للمخاطر يتحقق عبر إدراك أن العالم ينتقل إلى واقع جيوسياسي جديد يأخذه لحقبة من التحالفات المتغيرة، حيث تُعاد صياغة العلاقات بناءً على المصالح الوطنية والإقليمية. على الدول العربية والإسلامية الاستفادة من دروس تجارب أوروبا وكندا، واتخاذ خطوات عملية نحو إنشاء اتحاد يضمن الأمن والتنمية، فهو ليس خيارًا بل ضرورة إستراتيجية للحفاظ على السيادة والازدهار في عالم متعدد الأقطاب.