السؤال حول: ما إذا كانت الولايات المتحدة على علم باستثمار الإمارات لملف «الحرب على الإرهاب» في اليمن لمصالحها وتوسيع نفوذها ليس سؤالا عاديا أو نظريا، بل يمس مباشرة طريقة إدارة واشنطن لهذا الملف في واحدة من أكثر الساحات تعقيدا على مستوى الشرق الأوسط.
كما أنَّ الأمر لا يتعلق فقط بما كانت تعرفه الولايات المتحدة عن سياسة الإمارات، بل أيضا بما قررت تجاهله، وبالحدود التي رسمتها لتدخلها، وبالتمييز الذي قامت به بين «مكافحة الإرهاب» كشعار، ومكافحته كسياسة حقيقية تتطلب نتائج ملموسة على الأرض.
من حيث المبدأ، لا يمكن تصور أن الولايات المتحدة، بخبرتها الطويلة وأجهزتها الاستخباراتية الواسعة، لم تكن على دراية بكيفية توظيف الإمارات لملف الإرهاب في اليمن لتحقيق أهدافها في جنوب اليمن.
واشنطن ليست لاعبا عاديا، ولا تتعامل مع هذا النوع من الملفات بالروايات الإعلامية. على العكس، هي من أكثر الدول قدرة على قراءة الفروق الدقيقة بين حرب جدية على التنظيمات المتطرفة، وبين استخدام هذه التنظيمات كذريعة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية أخرى.
لذلك فإن غياب الدعم الأمريكي للقوات الجنوبية الشرعية التي كانت تخوض مواجهات مباشرة ضد تنظيم القاعدة في محافظتي أبين وشبوة، جنوب شرقي اليمن، لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد إهمال أو سوء تقدير.
ومن المهم هنا التذكير بأن هذا الموقف الأمريكي لم يكن نابعا من فتور تجاه ملف «الحرب على الإرهاب» في اليمن. على العكس، فقد كانت الولايات المتحدة، خلال عقد ما قبل الحرب، من أكثر الداعمين لهذا المسار، إذ وصل حجم الدعم الأمريكي السنوي لنظام الرئيس علي عبد الله صالح عام 2010 إلى نحو 150 مليون دولار، خُصص جزء كبير منه للتعاون الأمني ومكافحة تنظيم القاعدة. كما استمر هذا النهج بعد 2011.
في الجنوب الشرقي لليمن، ظلت المواجهات مع تنظيم القاعدة تدور لسنوات في إطار حرب استنزاف محدودة، لا تتوسع ولا يتم حسمها بشكل نهائي. ورغم أن هذه المناطق كانت، من ناحية نظرية، مسرحا مثاليا لتعاون أمريكي واسع في مجال مكافحة الإرهاب، فإن واشنطن اختارت البقاء على الهامش.
لم يكن هناك دعم عسكري مباشر، ولا تعاون استخباراتي واضح، ولا حتى مساندة مالية. ومع أن هذا السلوك يبدو متناقضا مع الخطاب الأمريكي العام حول ضرورة محاربة التنظيمات المتطرفة أينما وجدت، فإنه يصبح أكثر منطقية إذا نظرنا إليه من زاوية تقييم واشنطن لطبيعة وحقيقة تلك الحرب نفسها التي تتزعمها الإمارات.
الولايات المتحدة لم تتعامل يوما مع تنظيم القاعدة في اليمن باعتباره تهديدا انتهى أو تلاشى. على النقيض من ذلك، لطالما اعتبرت هذا الفرع من أخطر فروع التنظيم عالميا، بل سبق لوكالة الاستخبارات الأمريكية (عام 2009) أن وصفته بأنه أخطر من كل أفرع تنظيم القاعدة وحتى من التنظيم الأم في أفغانستان وباكستان.
هذا التقييم لم يكن رجما بالغيب، بل استند إلى معطيات تتعلق بمرونة التنظيم، وقدرته على إعادة بناء نفسه في ظروف صعبة، واحتفاظه بعقيدة العمليات الخارجية، وهو ما يظهر بوضوح في استمراره بإصدار مجلة «إنسباير» باللغة الإنجليزية، رغم كل الضربات التي تلقاها.
وإذا كانت الإدارة الأمريكية ترى في هذا الفرع اليمني للتنظيم خطرا حقيقيا طويل الأمد، فإن امتناعها عن دعم العمليات الإماراتية وحلفائها في أبين وشبوة لا يمكن فهمه إلا بوصفه تعبيراً عن عدم اقتناعها بجدية الإمارات في محاربة الإرهاب والحسم مع هذا التنظيم الخطير.
فالدعم الأمريكي، في مثل هذه الملفات، لا يتم منحه لمجرد رفع الشعارات، بل يجري ربطه عادة بأهداف واضحة، والتزام حقيقي بتفكيك البنية التنظيمية، لا الاكتفاء بمواجهات محدودة تبقي التنظيم على قيد الحياة وقابلا للاستثمار السياسي كما فعلت الإمارات.
هنا يبرز البعد السياسي في سلوك الإمارات، فملف مكافحة الإرهاب في اليمن لم يكن منفصلا عن مشروعها الكبير لتوسيع النفوذ، وإعادة تشكيل الخريطة السياسية والأمنية في الجنوب.
رفع شعار «محاربة القاعدة» وفر غطاء مهما لتصفية خصوم سياسيين، خصوصا القوى الإسلامية المرتبطة بحزب الإصلاح، أكثر مما وفر إطارا لحرب شاملة تهدف إلى إنهاء تنظيم القاعدة. هذا الأسلوب من الاستخدام السياسي لملف الإرهاب ليس جديدا في سياسة الإمارات، لكنه كان واضحا بما يكفي ليجعل واشنطن تتعامل معه بحذر، وربما ببرود مقصود.
الإمارات، في هذا السياق، لم تكن في حاجة حقيقية إلى دعم أمريكي واسع. فالحرب الجادة على تنظيم القاعدة كانت ستفرض عليها التزامات ثقيلة، وتضعها تحت ضغط تحقيق نتائج ملموسة خلال فترة زمنية معقولة.
مثل هذا المسار كان سيغلق الباب أمام الاستثمار الإماراتي الطويل في الملف، ويحول «الحرب على الإرهاب» من أداة سياسية مرنة إلى مهمة أمنية ذات نهاية محددة. لذلك بدا أن الخيار المفضل للإمارات هو إدارة صراع بلا حسم يبرر الوجود والنفوذ.
هذا يفسر أيضا المفارقة اللافتة في نمط الاستهداف الأمريكي عبر الطائرات المسيرة. ففي حين استمرت هذه العمليات في محافظة مأرب، توقفت تقريبا في أبين وشبوة، رغم أن التنظيم كان ينشط هناك بشكل علني ويخوض معارك مباشرة أمام أنظار القوات الإماراتية.
من الناحية الاستخباراتية البحتة، يفترض أن تكون هذه المواجهات فرصة ذهبية للرصد والتعقب، لكن غياب الضربات يوحي بأن واشنطن لم تكن ترى في تلك الساحة مجالاً مناسباً لتدخلها، ربما لأنها لم ترغب في أن تكون جزءا من معركة لا تثق بأهدافها الحقيقية وتقودها قوات إماراتية.
وبتعبير أكثر وضوحا، يبدو أن الإدارة الأمريكية فرّقت بين «مكافحة الإرهاب» كعنوان سياسي ترفعه الإمارات، وبين مكافحة الإرهاب كسياسة أمن قومي أمريكية.
ما جرى في اليمن، من وجهة النظر هذه، لم يرقَ إلى المستوى الذي يستدعي تدخلا أمريكيا مباشرا، لأن العمليات على الأرض لم تكن موجهة فعلا لتفكيك التنظيم، بل لإدارته وتطويعه ضمن مصالح ترمي إليها سياسة الإمارات.
في النهاية، يمكن القول إن الولايات المتحدة كانت على علم، أو على الأقل على وعي كافٍ، بكيفية استثمار الإمارات لملف الإرهاب في اليمن. هذا الوعي لم يدفعها إلى المواجهة أو الاعتراض العلني، لكنه انعكس في سياسة التجاهل وعدم الدعم.
ويبدو أن واشنطن اختارت ألا تمنح شرعية كاملة لمسار ترعاه الإمارات ولم ترَ فيها حربا حقيقية على الإرهاب، بل صراع نفوذ يرتدي هذا الشعار. والنتيجة كانت ملفا معلقا، لا حسم فيه، ولا دعم، ولا حتى محاولة جدية لتغيير قواعد اللعبة، وكأن الرسالة غير المعلنة كانت بسيطة وقاسية في آن واحد: هذه ليست معركتنا، على الأقل ليس بهذه الطريقة.
** **
- عبدالرزاق الجمل