د. عبدالحليم موسى
في هذا العالم المثقل بالأخبار القاسية تمر علينا المآسي غالبا كأرقام عابرة، وحوادث مسجلة في سجلات المرور، غير أن بعض القصص تفرض نفسها على الضمير الإنساني، وتكسر رتابة التلقي، لأنها لا تطرق السمع فقط، بل تقتحم القلب.
قصة الطفلة السودانية العنود الطريفي واحدة من تلك القصص التي لا يمكن قراءتها بوصفها خبرا، بل بوصفها سؤالاً وجودياً عن معنى الرحمة، وعن قدرة الإنسان على أن يكون سندا لإنسان آخر حين تسقط كل السندات.
كانت العنود في طريقها مع أسرتها لأداء العمرة، رحلة روحانية تحمل نية الطهر والقرب من الله، غير أن الطريق اختار لهم امتحانا قاسيا، حادث سير مفجع أودى بحياة جميع أفراد أسرتها، لتبقى العنود وحدها بين الحياة والموت، جسدا مثخنا بالجراح، وروحا يتيمة فقدت دفعة واحدة الأب والأم والإخوة والدفء والأمان.
في لحظة واحدة، تحولت الطفلة من ابنة محاطة بعائلة، إلى ناجية وحيدة من كارثة إنسانية؛ لم تكن الفاجعة في فقد الأحبة فقط، بل في معنى اليتم المفاجئ، وفي سؤال المصير الذي يواجه طفلة لا تزال تتعلم أسماء الأشياء. وسط هذا الألم، بدأ المشهد وكأنّه اختبار أخلاقي مفتوح يطرح أسئلة تتحدث عن؛ ماذا بعد التعاطف؟ وهل تكفي الدموع حين يعجز الجسد الصغير عن حمل الفقد؟
لم يكن الموقف الإنساني مجرد تعبير عاطفي، بل تحولا فعليا من الإحساس إلى الفعل، فقد جاء توجيه سمو أمير منطقة القصيم بتبني علاج الطفلة العنود وكفالتها، ليعيد تعريف معنى المسؤولية، ويمنح المأساة بعداً آخر؛ بعدا يثبت أنّ الإنسانية لا تزال قادرة على الانتصار على القسوة.
لم يكن القرار إجراء إداريا، بل موقفا أخلاقيا عميقا، فالطفلة التي فقدت أسرتها، وجدت أسرة أكبر تحتضنها، دولة ترى في الإنسان قيمة قبل أن تراه حالة، وعلاجها لم يكن فقط علاجا لجسد جريح، بل تضميدا لروح مكسورة، ورسالة صامتة تقول: إنّ الرحمة لا تعرف جنسية، وإنّ اليتيم ليس وحده ما دام في هذا العالم من يسمع وجعه. وفي الفلسفة، يقال إن الأخلاق تظهر في لحظات الاختيار الحر، حين لا يكون الإنسان ملزما بشيء سوى ضميره. وما حدث مع العنود هو تجل صادق لهذا المعنى، حيث اختارت القيادة السعودية أن تكون إلى جانب الحياة، لا بدافع الواجب فحسب، بل بدافع إنساني أصيل.
لقد تابع العالم هذه القصة، لا لأنها مأساة فقط، بل لأنّها كشفت عن وجه مشرق للإنسان حين يكون في موقع القرار، وتدفقت مشاعر الشكر من شعوب وضمائر مختلفة، تقديرا للموقف الإنساني الذي جسدته قيادة المملكة، ولروح المجتمع السعودي الذي يرى في مثل هذه المبادرات امتدادا لقيمه الدينية والأخلاقية.
ولم تكن قصة العنود حالة منفردة في سجل العطاء الإنساني السعودي، بل حلقة في سلسلة طويلة من المواقف التي جعلت من الإنسان محور القرار وغاية الفعل، فقد شهد العالم على مدى سنوات مبادرات متعددة شملت علاج أطفال من مناطق نزاع، وكفالة أيتام فقدوا أسرهم في الحروب والكوارث، واستقبال حالات طبية حرجة من دول تعاني ضعف البنية الصحية.
امتدت هذه المواقف إلى دعم أطفال فلسطين واليمن وسوريا، وإغاثة متضرري الكوارث الطبيعية في آسيا وإفريقيا، وإطلاق حملات إنسانية عاجلة وصلت إلى المحتاجين دون تمييز في العرق أو الدين أو الجغرافيا. وفي كل مرة، كانت الرسالة واحدة: أنّ الإنسان أولا، وأنّ الكرامة الإنسانية لا تقبل التجزئة.
إن ما يميز هذه المبادرات ليس حجمها فقط، بل استمراريتها، وتحولها إلى نهج راسخ في السياسات والمواقف. فحين تتبنى القيادة طفلة فقدت أسرتها، فهي لا تعالج حالة فردية فحسب، بل تؤسس لثقافة عامة تقول إنّ الرحمة فعل، وإنّ القوة الحقيقية للدول تقاس بقدرتها على حماية الضعفاء.
العنود اليوم ليست مجرد اسم في خبر إنساني، بل رمز لمعنى أوسع، معنى أنّ الفقد يمكن أن يقابله احتواء، وأنّ الألم حين يجد من يشاركه، يصبح أقل قسوة. وربما ستكبر العنود يوما، وتدرك أنّ العالم الذي أخذ منها الكثير، أعطاها أيضا وجها مضيئا للإنسانية، وجعل من محنتها جسرا للأمل لا جرحا مفتوحا فقط.
في زمن تتكاثر فيه صور العنف واللامبالاة، تأتي مثل هذه القصص لتعيد ترتيب البوصلة الأخلاقية، وتذكرنا بأنّ الإنسان لا يزال قادرا على أن يكون إنسانا، وأنّ الدول لا تخلد بقراراتها السياسية وحدها، بل بمواقفها الإنسانية التي تبقى شاهدا في الذاكرة الجمعية.
وربما ستكبر العنود يوما، لا بوصفها ناجية فقط، بل بوصفها شاهدة على معنى الرحمة، ربما ستختار أن تكون طبيبة، لا لأن المهنة حلما عابرا، بل لأن الألم الذي سكن جسدها الصغير يوما، علّمها باكرا كيف يكون الوجع، وكيف يمكن ليد واحدة صادقة أن تنقذ حياة كاملة. وفي أحد الأيام، سيتكرر المشهد أمامها في غرفة طوارئ هادئة، طفل مصاب، عيون خائفة، وجسد ينتظر الأمل. عندها ستتذكر العنود تلك اللحظة التي لم تكن فيها سوى طفلة مكسورة، وكيف امتدت إليها أياد لم تعرفها، لكنها أنقذتها؛ ستشكر في سرها كل من دعمها، كل طبيب عالجها، وكل قلب احتواها، وكل قرار إنساني أعاد لها الحياة. وستبتسم وهي تعيد ذات الإنسانية، وتثبت أن الخير لا ينتهي عند صاحبه، بل ينتقل، ويتجدد، ويعيش في الآخرين؛ شكراً للمملكة العربية السعودية، قيادة وشعبا، على هذا الموقف الذي تجاوز الجغرافيا، وخاطب الضمير الإنساني في كل مكان؛ شكراً لسمو أمير منطقة القصيم الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن عبدالعزيز لأنّكم أثبتم أنّ الرحمة ليست شعاراً، بل ممارسة، وأنّ الإنسان حين يسقط، لا يسقط وحده ما دام في هذا العالم من يمد له يده.