أ.د.صالح معيض الغامدي
الحقيقة أنه لا توجد إجابة واحدة محددة لهذا السؤال، فنقاد السيرة والمهتمون بها يختلفون في إجاباتهم عن هذا السؤال، وبخاصة عندما يصاغ هذا السؤال بأسلوب اشتراطي أو يتضمن شرطا ضمنيا معينا، مثل «متى ينبغي للشخص كتابة سيرته الذاتية»؟ أو « متى يستطيع الشخص كتابة سيرته الذاتية»؟، وقد يستفهم في هذا السياق بحروف أخرى غير « متى» مثل: كيف، ولماذا، ولمن …إلخ.
غير أنه يبدو لي، من خلال اطلاعى وقراءاتي لعدد لا بأس به من السير الذاتية ودراساتها، أن أغلب الكُتّاب والنقاد يميلون إلى إرجاء كتابة السيرة الذاتية إلى سن متأخرة نسبيا، أي أنها تكتب على التراخي، وذلك لكي تكتمل -حسب رأيهم- التجارب الحياتية للفرد وتنضج وتتنوع ليتمكن الكاتب من تشكيل عصارة تجربته الحياتية في عمل سيرذاتي مكتوب.
ومع ذلك، فلا نعدم أن نجد بعض الآراء التي تعطي الكاتب الحق في كتابة سيرته الذاتية في شكل من أشكالها في أي عمر يراه هو مناسبا للكتابة.
ولن نناقش الرأي الأول؛ لأنه واضح التسويغ من جانب، ومرعي بكثرة عند كتاب السير الذاتية في العالم تقريبا من جانب آخر. ولكننا سنناقش الرأي الثاني، وبخاصة فيما يتعلق منه بكتابة السيرة الذاتية الشبابية ومسوغاتها وأهميتها، وتحديدا في المملكة العربية السعودية. فمن يعارض مشروعية كتابة السيرة في سن مبكرة يحتج بفقر التجارب الحياتية في تلك السن ومحدوديتها، ومن يعطي الكُتاب الشباب الحق في كتابة سيرهم الذاتية يحتج بأن المعول عليه في كتابة السيرة الذاتية ليس الكم دائما، ولكن الكيف، فكثرة عدد السنين التي تغطيها السيرة لا تعكس بالضرورة ثراء التجربة الحياتية للكاتب، ولكن المهم هنا هو نوعية التجارب الحياتية الشبابية المعاصرة، وثراؤها أحيانا مقارنة بالفقر النسبي لبعض التجارب الحياتية عند الشباب في الأوقات المتقدمة.
وقد أشار إلى هذه القضية الأديب عزيز ضياء في بداية سيرته الذاتية « حياتي مع الجوع والحب والحرب»، عندما قال إنه فكر في كتابة سيرته الذاتية، أو «قصة حياته» كما سماها، وهو في العشرين من عمره، يقول مخاطبا ابنه ضياء ومسوغا كتابة السيرة الذاتية في سن مبكرة جدا: « ومرة أخرى… ماذا في حياة ابن العشرين؟ مما يستحق أن أكتب؟ … قد يكون معقولا أن أجد اليوم بعد السبعين الكثير مما يمكن أن يُكتب، أو يُقال، عن هذه المرحلة أو تلك من العمر الذاهب.. ولكن ماذا لدى ابن العشرين؟
لكن، وفي الواقع أني، بعد هذه الأعوام الطويلة، ما زلت أرى أن في حياتي قبل العشرين ما يمكن أن يملأ فصولا طويلة.. أو ما يمكن أن أجد فيه عناصر قصص لا قصة واحدة.
هل يدهشك هذا؟
لك أن تُدهش فإنك لا تدري كم كانت حياتي حافلة بالأحداث قبل العشرين؟…».
والحقيقة أن هذا النص المقتبس يبين أن ثراء التجارب الحياتية ليس مرتبطا دائما بطول العمر، وإنما يمكن أن تكون بعض المراحل الحياتية مثل مرحلة الطفولة والشباب مرحلة ثرية بتجاربها الحياتية التكوينية المهمة التي تسوغ، بل تحتم أحيانا، كتابتها ونشرها ليتعلم ويستفيد منها كاتبها وقراؤه على حد سواء.
فالحياة الطويلة قد تنتج مادة سيرذاتية طويلة وشاملة، ولكنها قد تكون رتيبة ومملة، بينما نحد أن بعض السيرة الشبابية، على سبيل المثال، قد تلتقط لحظات وجودية فريدة وتسرد صراعات الهوية في لحظة التشكُّل والتكوين، مما يمنحها حيوية وجاذبية مختلفة.
فكتابة السيرة في سن مبكرة قد تكون أداة للتفكير الذاتي وبناء الهوية في السياق الحضاري السعودي سريع التحول والتجدد، وليس مجرد توثيق لأحداث ماضية. كما أن السيرة الذاتية الشبابية قد تكون وسيلة للشباب لتأمل موقعهم في هذا التحول المجتمعي السعودي السريع، وفهم مسارهم الشخصي ضمن سياق جماعي كبيرمتغير.