إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
ليس من السهل اختزال تجربة الفنان التشكيلي د. سلطان الزياد في معرض واحد، فمسيرته الفنية قامت منذ بداياتها على البحث الهادئ والتأمل الطويل والاشتغال الصبور على الشكل بوصفه ذاكرة حيّة لا مجرد عنصر بصري، ومع ذلك يبدو معرضه الشخصي «أصداء الشكل، همسات الوجود» وكأنه لحظة صفاء تتكثف فيها سنوات من التجربة وتُقدَّم للمتلقي بلغة بصرية ناضجة لا تسعى إلى الإبهار بقدر ما تدعوه إلى الإصغاء.
يأتي هذا المعرض، الذي يستضيفه تجريد آرت جاليري في الرياض، بوصفه تجربة فنية هادئة، تتعامل مع اللوحة كمساحة زمنية مفتوحة لا كمنتج مكتمل فمنذ اللحظة الأولى يدرك الزائر أنه أمام أعمال لا تُقرأ بسرعة ولا تفرض معنى واحد بل تترك المجال للتأمل والاقتراب وبناء علاقة شخصية مع كل لوحة.
في هذا المعرض تتشكل الأعمال من مفردات هندسية وزخرفية مألوفة لكنها ليست أشكال تجريدية منفصلة عن سياقها بل أنها زخارف نجدية تراثية متجذّرة في الذاكرة البصرية المحلية عرفناها في عمارة البيوت القديمة وعلى الأبواب الخشبية وفي تفاصيل الجدران الطينية، يعيد د. سلطان الزياد تقديم هذه المفردات لا بوصفها عناصر توثيقية بل كرموز حيّة قادرة على التحول والاستمرار داخل لغة تشكيلية معاصرة.
الأشكال في اللوحات لا تحضر دائماً بوضوح كامل فهي تحضر أحياناً وأحياناً أخرى تتوارى تحت طبقات اللون وكأنها ذكريات تتردد بين البقاء والاختفاء، هذا التلاشي المقصود يمنح الأعمال إحساساً بالزمن ويجعل المشاهد يشعر وكأنه يقف أمام جدار قديم مرّت عليه سنوات طويلة وبقيت زخارفه شاهدة على المكان والإنسان.
اللون في هذا المعرض لا يؤدي دور الزينة بل يشكّل حالة شعورية متكاملة، ألوان ترابية هادئة وأزرق عميق ولمسات دافئة من البرتقالي والوردي تتداخل بانسجام بصري يبعث على السكينة، لا توجد صدامات لونية حادة بل حوار هادئ بين الدرجات يوحي بضوء الغروب وباللحظات التي تسبق الليل أو تليه، اللون هنا يحتضن الشكل ويمنحه عمقاً ويقود العين بهدوء داخل فضاء اللوحة.
أما سطح العمل فيحمل أثر التجربة بوضوح. آثار الفرشاة، والملمس غير المصقول والتفاوت في كثافة اللون كلها عناصر مقصودة تجعل اللوحة أقرب إلى كيان حيّ يحتفظ بسجلّ لحظات إنجازه، لا يسعى الفنان إلى إخفاء هذه الآثار بل يتركها لتكون جزءا من السرد البصري مؤكدة أن العمل لم يولد دفعة واحدة بل جاء نتيجة تراكم وتجربة وتأمل طويل.
وفي قلب هذه التجربة البصرية لا يمكن فصل ما نراه على الجدران عن المسار الذي قطعه الفنان في تكوينه العلمي والمهني، فقد حصل د. سلطان الزياد على درجة الدكتوراه في الفنون من جامعة أوهايو بالولايات المتحدة الأمريكية عام 2004 وهو تكوين أكاديمي انعكس بوضوح على وعيه بالبنية والسطح والإيقاع دون أن يحوّل تجربته إلى خطاب نظري جامد، وعقب عودته إلى المملكة عمل أستاذاً للتصوير التشكيلي في جامعة الملك سعود وأسهم لسنوات في التعليم الفني ونقل خبرته الأكاديمية والبصرية إلى أجيال جديدة من الفنانين.
غير أن التجربة التعليمية لم تكن نهاية المسار بل مرحلة من مراحله، فقد اختار الزياد لاحقاً التفرغ للممارسة الفنية واضعاً كل ما راكمه من معرفة وبحث في خدمة اللوحة ذاتها، هذا التوازن بين الأكاديمي والوجداني بين المعرفة والحدس هو ما يمنح أعماله نضجها وهدوءها ويجعلها بعيدة عن الاستعراض أو المباشرة.
وتتعزز قراءة هذا المعرض من خلال الرؤية القيمية التي قدّمتها القيّمة الفنية غيداء المقرن التي تمتلك خبرة واسعة في تنظيم وتقييم المعارض الفنية داخل المملكة وخارجها. لا تتعامل المقرن مع النص القيمي بوصفه شرحاً تقنياً بل كجسر يربط بين العمل والمتلقي ويضع التجربة في سياقها الثقافي والإنساني دون تعقيد أو لغة نخبوية.
عرفت غيداء المقرن بحضورها الفاعل في المشهد الفني وبقدرتها على تقديم الفن المعاصر بلغة قريبة من الجمهور تحترم وعيه وتمنحه مساحة للتأمل، وفي هذا المعرض يظهر دورها في خلق توازن دقيق بين النص والعمل بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر بل يتكاملان في تجربة واحدة.
ولا يمكن الحديث عن هذا المعرض دون الإشارة إلى الدور الذي يلعبه تجريد آرت جاليري في دعم المشهد التشكيلي المعاصر، فمنذ انطلاقه رسّخ الجاليري حضوره كمنصة رائدة لطرح معارض نوعية وتجارب فنية عميقة وأسهم في تقديم أسماء راسخة وتجارب شابة ضمن رؤية تحترم الفنان والمتلقي معاً وتؤمن بأن الفن تجربة معرفية وجمالية في آن واحد.
في المحصلة، لا يقدّم هذا المعرض نفسه بوصفه حدثاً عابراً بل كتجربة تأملية ممتدة، هو حوار صامت بين الفنان وذاكرته وبين الشكل والزمن وبين اللوحة والمشاهد، معرض يهمس أكثر مما يصرّح ويترك أثره في النفس بهدوء مؤكّداً أن الفن حين يكون صادقاً ومتصلاً بجذوره لا يحتاج إلى ضجيج ليصل.
** **
تويتر: AL_KHAFAJII