لم يعد الكتاب في الفن المعاصر مجرّد وسيط لنقل النص، بل تحوّل إلى مساحة للتجريب، وإلى كيان بصري مستقل تتداخل فيه المادة مع الفكرة والقراءة مع اللمس والزمن مع الأثر، من هذا التحوّل نشأت ثقافة الآرت بوك أو كتاب الفنان التي بدأت بوصفها ممارسة هامشية في القرن العشرين قبل أن تصبح أحد أكثر الأشكال الفنية قدرة على كسر الحدود بين الفنون البصرية والكتابة والتصميم، أهميّة هذا الشكل لا تكمن في شكله النهائي بقدر ما تكمن في تجربته فالآرت بوك لا يُشاهد من بعيد بل يُقترب منه ويُفتح ويُطوى ويُعاد اكتشافه في كل مرّة.
في هذا السياق يأتي معرض «حبر وورق» ليقدّم تجربة مختلفة على مستوى المشهد الفني المحلي، ليس فقط من خلال موضوعه، بل من خلال طريقة اشتغاله على الكتاب بوصفه مادة حيّة.
المعرض، كما يقدّمه بيانه الفني لا يتعامل مع الورق كحامل محايد للصورة أو النص بل كجسد يتأثر يتغيّر ويحمل آثار الزمن والضغط واليد، القراءة هنا ليست فعلاً ذهنيًا فقط بل تجربة حسية كاملة يتحوّل فيها المتلقي من قارئ إلى مشارك.
الأعمال المعروضة لا تقدّم سرداً خطياً ولا تحاول إرشاد العين إلى بداية أو نهاية واضحة، الدفاتر المطوية الممتدة على الطاولات تفرض إيقاعاً بصرياً أقرب إلى المشي داخل مشهد متحوّل، الطيّات المتكررة تصنع مسارات والصفحات السميكة تتحوّل إلى جدران صغيرة والفراغات بين الطيات تصبح لحظات صمت لا تقل أهمية عن العلامة البصرية نفسها، اللون في أغلب الأعمال يتراجع لصالح الأسود والرمادي والبياض وكأن الصورة تنبع من الذاكرة أكثر مما تنبع من المشاهدة المباشرة.
ما يميّز التجربة البصرية في المعرض هو هذا الإحساس بالتراكم الحبر لا يظهر كأثر لحظة واحدة بل كترسّب زمني والسطوح تبدو وكأنها تعرّضت للمحو والكتابة مراراً الخدوش الطبقات آثار الضغط كلها عناصر لا تُخفي فعل العمل بل تكشفه، هنا لا يسعى المعرض إلى تقديم صورة مكتملة بل إلى إبقاء المعنى في حالة تشكّل مستمر بحيث تصبح كل قراءة محتملة وكل توقّف أمام العمل جزءاً من اكتماله.
طريقة العرض تعزّز هذا الفهم فالكتب لا تُعلّق على الجدران بل تُعرض على طاولات طويلة في مستوى يسمح بالمواجهة المباشرة، المتلقي لا يقف أمام العمل بوصفه صورة بل يتحرّك حوله يغيّر زاوية النظر ويتعامل مع الصفحة كمساحة ثلاثية الأبعاد، القفازات الموضوعة بجانب الأعمال ليست تفصيلاً شكلياً بل تذكير بأن اللمس حاضر حتى حين يكون مؤجّلاً وأن الجسد جزء أساسي من تجربة التلقي.
ضمن هذا السياق يصبح الزمن عنصرا بصريا لا يقل أهمية عن المادة، الطيّات تمثل مرور الوقت والتكرار يوحي بالاستمرار بينما التآكل والمحو يشيران إلى الذاكرة بوصفها عملية غير مكتملة، لا يوثّق المعرض لحظة بعينها، بل يراكم لحظات ويحوّل الكتاب إلى أرشيف مفتوح لا يقدّم إجابات بقدر ما يفتح أسئلة.
في قلب هذه التجربة يلتقي مساران فنيان مختلفان في الخلفية متقاربان في الرؤية، الفنان العراقي محمد الشمري المقيم في الولايات المتحدة يُعدّ من الأسماء البارزة في مجال كتاب الفنان وقد اشتغل طوال مسيرته على تقاطع التصوير والطباعة والفيديو مع الكتاب بوصفه وسيطاً فنياً، تجربته الطويلة مع الآرت بوك تمنحه قدرة خاصة على التعامل مع الصفحة كفضاء سردي لا يخضع لمنطق القراءة التقليدية.
إلى جانبه، يقدّم الفنان السعودي فهد النعيمة رؤية تنطلق من الجسد والمادة ومن علاقة مباشرة مع الورق بوصفه سطحاً قابلاً للتشكّل والتأثّر، تجربته المتجذّرة في البحث المفاهيمي تضيف بعداً محلياً مهماً لهذا الحوار وتؤكّد أن كتاب الفنان ليس ممارسة مستوردة بل مساحة مفتوحة للتأويل والتجريب في السياق السعودي.
تشرف على هذا اللقاء القيّمة الفنية غيداء المقرن التي تتعامل مع القيّمية بوصفها فعل كتابة موازٍ للأعمال، النص القيّمي لا يشرح بقدر ما يرافق ويقترح قراءة ترى في المعرض مساحة للتفكير في العلاقة بين الفن والمعرفة وبين القراءة والذاكرة وبين المادة والمعنى.
أهمية «حبر وورق» تتجاوز كونه معرضاً متخصصاً ليصبح تجربة جديدة على مستوى الجمهور والمجتمع الفني، هو دعوة لإعادة التفكير في طريقة تلقّي الفن وفي دور الكتاب خارج سياقه التعليمي أو الأدبي، مثل هذه التجارب تفتح أفقاً جديداً للفنانين والمهتمين وتوسّع من مفهوم المعرض بوصفه مكاناً للمشاهدة فقط إلى مساحة للتجربة والتفاعل.
في زمن تتسارع فيه الصور وتُستهلك بسرعة يقترح هذا المعرض إيقاعاً مختلفاً إيقاعاً أبطأ وأكثر تأمّلاً هنا يصبح الورق ذاكرة والحبر أثراً والكتاب مكاناً يمكن الدخول إليه، «حبر وورق» لا يقدّم خاتمة بل بداية لمسار جديد في المشهد الفني المحلي، مسار يرى في الفن فعل قراءة مستمرة لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة.