البرقع في الجزيرة العربية تقليدٌ قديم متجذر في ثقافتها، ويُعتقد أنه بدأ بالانتشار وتحديد أشكاله المميزة (كالمصنوع من قماش الشيل الأسود مع خيوط ملونة) بعد القرن التاسع عشر الميلادي (حوالي 1870م)، وقد تطور عبر الزمن ليصبح رمزاً للحشمة والزينة، وتختلف ألوانه وتصميمه بين المناطق والطبقات الاجتماعية، مع وجود أنواع تاريخية أقدم تغطي أجزاء من الوجه (مثل الياشمك العثماني)، أما البرقع الذي يغطي الوجه بالكامل عدا العينين فهو نمط تطور لاحقاً، خاصة في الجزيرة العربية.
في الإسلام، البرقع هو نوع من غطاء الوجه يصنع من قماش سميك يشبه «الورق» يسمى الشيل.
أصول وتطور البرقع في الجزيرة العربية
الجذور التاريخية: لم يظهر البرقع فجأة، بل تطور عن أغطية وجه قديمة، مثل «البوشية» (القناع الرقيق) الذي كان يستخدم في العالم الإسلامي منذ القدم، والذي كان يغطي الوجه أو جزءاً منه.
يقول الشاعر:
قومي ارقص لي وارفعي البوشية
عشان اطلع خلقة الرحماني
ويذكر الشاعر والمؤرخ شاهر الاصقة البديني -رحمه الله-: أن البرقع عرف عام (1870م): يُعتقد أن قصة فتاة من قبيلة مطير في حوالي عام 1870م، والتي استخدمت قطعة قماش سوداء لتشويه وجهها أمام خطيب لا تريده، هي ما أدى إلى شيوع «البرقع» بشكل محدد في البادية وتناقلته القبائل الأخرى.
وتذكر د. دلال الحربي: أن غطاء الوجه لم يكن منتشراً في البادية بنجد في القرن التاسع عشر، حيث أكد الرحالة جميعهم أن نساء البادية لم يعرفن غطاء الوجه إطلاقاً، وهذا القول غير صحيح حيث إنه في عام 1913م تقريباً قابل أحد الرحالة إحدى نساء مطير في الدهناء ذكر أنها لابسة نقاب، وهذا تناقض في سرد الموضوع لأن الدكتورة دلال في بداية حديثها عممت وقالت كل رحالة القرن التاسع عشر أكدوا أن المرأة البدوية لا تعرف النقاب، وأرجعت ذلك إلى التشدد في حركة الإخوان هو من فرض لبس الحجاب والنقاب لدى نساء البادية.
شكل البرقع
اختلفت أشكال وألوان البراقع من مكان لآخر، حيث أكثرهم يغطي نصف الوجه، وآخر يغطي فقط الأنف وفوق الحاجب قليلاً، وآخر يغطي كافة الرأس ما عدا العين، وآخر يغطي من الرأس وصولاً إلى السرة، والعين لا تكشف ويكون شفافًا قليلاً حتى يتسنى للمرأة الرؤية منه.
البرقع إحدى الوسائل المشهورة لتغطية الوجه، والكثير من النساء تعتمد عليه بشكل كلي. وقد عُرف البرقع في الكثير من المجتمعات. ويختلف البرقع في الجزيرة العربية من منطقة لمنطقة من حيث الشكل والألوان والمسميات.
وقد استوحي البرقع بشكله الذي انتشر وما تزال تلبسه المرأة في بعض الأوساط الخليجية، من الأصل البدوي الذي انتشر في الجزيرة العربية مع موجة التشدد الديني قديماً، حيث كانت المرأة البدوية تستخدم جزءاً من خمارها أو قطعة من قماش خشن غامق اللون لإخفاء معالم وجهها عن الرجال من غير أهلها المقربين، إلا أن طريقة أخرى ربما ابتدعت محلياً أو وردت من أفريقيا أو من فارس، ولا توجد أية مصادر تتناول أصل هذا النوع من أقنعة النساء.
تلبس الإناث البرقع من بعد البلوغ ومن مختلف الطبقات الاجتماعية، تلبسه المرأة الفقيرة برقعاً من أقمشة البراقع رخيصة الثمن وهو النوع الشائع والمنتشر بين أغلب النساء، أما نساء الطبقة الغنية فقد تفنن في لبس البرقع وتمت تحليته بقطع من الذهب الخالص أو الفضة على هيئة نجوم في صف أو صفين أو حتى ثلاثة صفوف من الوحدات الزخرفية التي تصاغ على هيئة نجوم، وتثبت بالخيط على الطرف العلوي من البرقع الذي يوضع على الجبهة، وتمادت بعض النساء باستخدام اللؤلؤ الطبيعي والكرستال وبعض الأحجار الكريمة بدلاً من الذهب والفضة لتزيين البرقع واستخدام خيوط الحرير أو سلاسل الذهب أو الفضة لتثبيته بدلاً من الخيط العادي. فأصبح البرقع للحشمة وللدلالة على الوضع الاجتماعي وأداة لزينة المرأة وفتنتها وتباهيها.
وتغنى الشعراء في البرقع حيث قال الأمير خالد الفيصل:
ما هقيت أن البراقع يفتنني
لين شفت ظبا النفود مبرقعاتِ
وقال آخر:
يا لابسه البرقع على هونك شوي
من شوفتك ضيعت وزن القصيدة
طلة جبينك بالسماء تشعل الضـي
ونظـرة عيـونك في حلاها فريده
مما قال الشعراء في مدح النقاب وذمه: فمما قالوا في ذمه:
إذا باركَ اللهُ في خِرقةٍ
فلا باركَ الله في البُرقع
يواري المِلاحَ ويُخفي القِباح
فهذا يضرُّ ولم ينفعِ
يريك عيونَ المها غرَّةً
ويكشفُ عن منظرٍ أشنعِ
ومما قالوا في مدحه وهو المثقب العبدي:
إذا عُجنَ السوالفَ مصغياتٍ
وثقَّبن الوصاوص للعيونِ
أرينَ محاسنًا وكننَّ أُخرى
من الأجسادِ والبشَر المصونِ
بعد هذا الحديث عن البرقع ومتى عُرف، أحببت أن أصحح للقراء الكرام معلومة خاصة بالزمن الذي عرف فيه البرقع عند أهل الجزيرة، فإليكم هاتان الوثيقتان اللتان يذكر فيهما البرقع قبل التاريخ أعلاه بمئة سنة تقريباً.
ففي وثيقة مؤرخ بـ23-05-1183هـ حيث نصت:
«الحمد لله وحدة حرر في يوم الاثنين ثلاثة وعشرين من شهر جماد أول سنة ثلاثة وثمانين بعد مايه وألف حضرة وعندنا يوم تاريخها مشيهير ابن محمد المريبطي، وقد قام لعمته صالحة في دعوا على الفقيه عبد الله ابن عبد الله في ناصفت النخلة الذي في باطنها، ويقول فتشت عمتي صالحة لحفظ دعوها ولا لقيت مع ها حفظ وبعد أشروة على حفظ الفقيه ركدت له في الحماية دون عرض إبراهيم ابن سالم دارك جميع الدعاوي والخلات، وكفل عيسى بن محمد على هذا العلم كفالت ما روثه ملزم اعرضه عرض ما روث بشهادة الشريف سليمان ابن علي ابن بركة الحسيني وشهادة محمد ابن عبد الكريم الخليفي، والكاتب بأمر مشيهير سليمان بن محمد دريبسه عفا الله عنه ووالديه وجميع المسلمين.
حرر ذلك يوم طلعت وتسعة وعشرين من جماد آخر عام سبعة وثمانين وميه والف وأقول وأنا صالحة بنت أحمد بأني قد أجزة ما في باطن الورقة ورضيت عنه المناصفة النخل عند ثامر ابن نفاع في بستة نصف ريال من يد عبد الله الفقيه واستلمه الكل وجات البيع السابق ألزمت برقعها برقعا ما روث جميع التناقضات والعلوم المبطلات بشهادة محمد بن مرعي وكتب صالح بن عبد الرزاق العجمي».
وفي وثيقة أخرى مؤرخة بـ23-05-1183هـ ما نصه:
«الحمد الله وحده حرر وجرى نهار سبعطعشر من شهر جماد تالي عام واحدة وتسعين وميه الف وقد حضر يوم تاريخها الحرمة الفاخرة سعيدة بنت محمد الفليك الوسمي وقد أوهبت وتصدقه وأحسنت على بنت أخواها منيره بنت سعيد بن محمد اصل ما ترث في أبوها محمد بن مشاري في صُفينه فالبير المسماة حاوية وفي ربع الحصن حصن صُفينه أوهبت سعيدة المذكورة منيره المذكورة جميع تستحق في ورث أبوها محمد المذكور في صُفينه في البير المذكورة وفالحة الحصن وجميع ما جرلها الميراث من خافي وبين وعزيز وهين وما ينسب إلي ذلك شرعاً وعرفاً وهيبة لا يردها لا غيض ولا رضا ولا فقر ولا غنا ولا حاجة من حويج الدنيا لها ولورثها عن أرثي لين يرث الله الدنيا ومن عليها وهو خير الوارثين لين يجزي الله المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين وألزمت برقعها برقعا ما روث عن الانثناء والرجوع شهد الله قبل خلقه شهد الله قبل خلقه وشهد بذلك حسين ابن عمر العارضي وشهد بذلك سالم ابن محمد ابن سعدي العارضي وشهد بذلك عبد الله ابن عبدالله العارضي وشهد بذلك حمود ابن محمد بن صالح العارضي».
والزمت برقعها: هنا لا بد من وقفه حيث ذكر البرقع ينافي من قال إن البرقع لم يعرف إلا متأخراً، وقال آخرون إنه عرف قريباً بعد عهد الإخوان في بداية توحيد المملكة العربية السعودية حين ذكر البعض من الرواة ونقلتها كثير من الصحف أن البرقع عرف عام 1870م الموافق لعام 1286هـ، علماً أن هذه الوثيقة تاريخها يصادف بالميلادي عام 1777م وهناك وثيقة أخرى عام 1183هـ المصادف لـ 1769م، وهذه الوثائق تنفي ذلك نفياً قاطعاً حيث أن البرقع معروف منذ القدم، وهذا دلاله على أن النساء العربيات كانوا يضفين على وجوههن ما يسترها عن الرجال الأغرباء، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) الأحزاب آية (59). وهذا التوجيه الرباني يكفينا أن نساء المسلمين كن ممن يدنين عليهن من جلابيبهن ويغطين وجهوهن اتقاء الفتنة. قال ابن السكيت: قالت ليلى العامرية: الجلباب الخمار، وقيل: جلباب المرأة مُلاءَتُها التي تشتمل بها، واحدها جلباب وجمعها جلابيب.
** **
- نايف بن عوض الوسمي