في اليوم الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للغة العربية، ولا يقتصر هذا الاحتفاء بهذه اللغة العريقة على استحضار تاريخها، المجيد أو تعداد خصائصها الجمالية والبلاغية، بل يتجاوز ذلك إلى تأمل موقعها في الحاضر، واستشراف دورها في المستقبل، بوصفها لغة هوية وسيادة ومعرفة. فاللغة العربية لم تكن يومًا مجرد أداة للتواصل، بل كانت وما تزال الإطار الذي تشكّلت فيه الرؤية الحضارية للأمة، وحُفظت به ذاكرتها، ونُقلت من خلاله علومها وقيمها، وصيغت به ملامح هويتها الثقافية والفكرية.
وفي المملكة العربية السعودية، حظيت اللغة العربية بدعم ريادي ومكانة مركزية تنبع من عمقها الديني والحضاري، ويتجسد ذلك في الرعاية الكريمة والدعم المستمر من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظهما الله- حيث جعلا اللغة العربية أحد المتحققات الرئيسة لرؤية المملكة 2030، لا بوصفها إرثًا ثقافيًا جامدًا، بل بجعلها عنصرًا فاعلًا في بناء الإنسان، وصناعة الوعي، وتحقيق التنمية المستدامة.
وتتبوأ اللغة العربية موقعًا محوريًا في تشكيل الهوية الوطنية والثقافية، إذ تمثل الوعاء الحامل للقيم، والمعبّر عن التطور الحضاري، والضامن لاستمرار الانتماء الوطني والعربي، في عالم تتسارع فيه التحولات وتتزايد فيه التحديات الفكرية والثقافية. ولا يمكن الحديث عن هوية راسخة وقوية دون جهود واعية تعزز حضور اللغة، وتحمي مكانتها، وتدعم استمرارها في الفضاء العام والمعرفي.
ومن هذا المنطلق، جاء الاهتمام المؤسسي باللغة العربية في المملكة بوصفه خيارًا إستراتيجيًا يتصل بالأمن الثقافي والفكري، ويؤكد أن حماية اللغة وتطويرها ليسا شأنًا لغويًا فحسب، بل قضية حضارية ذات أبعاد وطنية وإنسانية. وضمن رؤية المملكة 2030، برزت اللغة العربية بوصفها ركيزة أساسية في مشاريع التحول الوطني، ومقومًا من مقومات جودة الحياة، وأداة لبناء مجتمع معرفي قادر على التفاعل مع العصر دون التفريط في هويته. وقد تجلى ذلك في مبادرات نوعية هدفت إلى تمكين العربية في التعليم، والإعلام، والإدارة، والفضاء الرقمي، وتعزيز حضورها في البحث العلمي وصناعة المحتوى.
تمتلك اللغة العربية بنية لغوية غنية، تتجلى في نظامها الصرفي الدقيق، وتراكيبها النحوية المرنة، وطاقتها الدلالية الواسعة، وثرائها البلاغي، وهو ما يجعلها مجالًا خصبًا للأبحاث العلمية، ولا سيما في مجالات اللسانيات الحاسوبية ومعالجة اللغة الطبيعية. ولا يقتصر تمكين العربية علميًا على تطوير أدوات تقنية فحسب، بل يمتد إلى إعادة موازين النظر إلى البحث العلمي المتصل باللغة العربية، وتمكين الباحث من إنتاج المعرفة بلغته، وتقديم أفكار تطويرية متقدمة تدعم نمو اللغة وازدهارها، بدل الاكتفاء بترجمتها أو استهلاك ما يُنتج بلغات أخرى.
وإنّ الاستثمار في الأبحاث التي تجمع بين علوم اللغة العربية وعلوم الحاسب والذكاء الاصطناعي يُعدّ ركيزة أساسية لأي نهضة لغوية حقيقية، قادرة على نقل العربية من موقع الاستهلاك المعرفي إلى موقع الشراكة الفاعلة في إنتاج العلم والتقنية. وتبرز هنا الحاجة الملحّة إلى إنشاء معامل متخصصة للغة العربية تتولى دعم تطورها، وتأخذ بيدها نحو المستقبل، بما يواكب التسارع التقني المتنامي، ويمنحها العناية التي حظيت بها لغات أخرى تمتلك بنى بحثية ومختبرات لغوية متقدمة.
يتجسد هذا الاستثمار في تبنّي الباحثين ودعمهم من قِبل الجهات المختصة، وفي مقدمتها مبادرات مثل (ذكاء العربية) لإثراء المحتوى العربي في مجالات الذكاء الاصطناعي، و(معمل ابتكار) بوصفه حاضنة بحثية ومعملًا لغويًا متقدمًا يُركز على أدوات تعليم اللغة العربية وتطويرها، تحت مظلة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، ومن شأن ذلك أن يفتح آفاقًا واسعة أمام الباحثين في مجال اللغة وتطويرها، بما يسهم في صياغة سياسات لغوية محدثة، نرتقي بها إلى العالمية، ونتشاركها مع الدول العربية كافة، ونواكب من خلالها التحولات الحديثة، وننفتح على مقاربات علمية معاصرة تلبّي متطلبات الواقع واهتمامات الجيل الجديد.
ولم تتوقف الأبحاث اللغوية في اللغة العربية عند مرحلة معينة، بل ظلّت مسيرتها ممتدة ومتواصلة، غير أنّها لم تحظَ بالدعم المؤسسي الكافي الذي نالته أبحاث لغات أخرى. فالباحثون المعاصرون لم يقفوا عند حدود ما انتهى إليه الأقدمون، وإنما واصلوا البحث والتنقيب، وعمّقوا الدراسات اللغوية، وبذلوا جهودًا مضنية في ترسيخ الوعي بأهمية اللغة العربية، بوصفها هوية أمة ورمزًا ثقافيًا وحضاريًا، لا مجرد لغة تراثية تناقلتها الأجيال.
وتبرز في هذا السياق أهمية الدور المنوط بمعامل اللغة العربية، التي يُفترض أن تستكمل ما توقفت عنده الجهود الفردية، وأن تحتضن المشروعات البحثية طويلة المدى؛ إذ إنّ كثيرًا من القضايا اللغوية تمثل بدايات لمسارات بحثية واسعة لا تكفيها دراسة واحدة أو ورقة علمية منفردة، بل تحتاج إلى تراكم بحثي يمتد عبر عشرات الدراسات حتى تُستوفى أبعادها العلمية. ويقتضي ذلك توفير بيئة بحثية منظمة، وقواعد بيانات متخصصة تُعنى بحصر الموضوعات اللغوية ذات الأولوية، وتحديد ما يحتاج إلى مزيد من البحث والاهتمام، إلى جانب إتاحة المصادر والمراجع، والمخطوطات، والكتب المتخصصة، بما يسهّل عمل الباحثين والمطورين في مجال اللغة العربية، ويدعم البحث العلمي المنهجي القادر على إحداث أثر معرفي وتطبيقي مستدام.
وفي هذا السياق، فإن وجود المعامل البحثية في الجامعات، مطلب ذا أهمية بالغة في دعم النتاج العلمي والمعرفي، فمثلًا معمل اللغة والتواصل للغويات التطبيقية في جامعة الأمير سلطان يُعد أُنموذجًا لدعم الأبحاث اللغوية، ولكنه يركز على دعم الأبحاث في اللغويات التطبيقية، لذا أكرر الدعوة إلى إنشاء معامل بحثية تدعم الأبحاث الخاصة باللغة العربية بوجه عام، بوصفها منصات فاعلة لإثراء المحتوى العربي وتعزيز البحث العلمي باللغة العربية. فوجود مثل هذه المعامل يسهم في تطوير برامج تقنية متقدمة تخدم العربية، ولا سيما في مجالات كشف الاحتيال العلمي، وقياس نسب الاقتباس في النصوص المكتوبة، في ظل ما تشهده أدوات كشف الاقتباس العربية من محدودية ونموٍّ ما يزال في مراحله الأولى مقارنة بنظيراتها في اللغات الأخرى. ومن شأن الاستثمار في هذا الجانب أن يفضي إلى إنتاج بحوث عربية متميزة، تُكتب بلغتها، وتُقاس بمعايير علمية دقيقة، وتسهم في تطوير العربية وتمكينها في المجال الأكاديمي والمعرفي.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحّة إلى تكاتف الجهود بين الدول العربية في مجال السياسات البحثية واللغوية، بما يفضي إلى رؤية موحّدة تخدم لغة أمة وهوية مشتركة، تنطلق من وعي راسخ بقيمة اللغة العربية، واعتزاز عميق بمكانتها، واستعداد لبذل مختلف الجهود من أجل إيصال صوتها إلى العالم، والتعريف ببلاغتها وجمالها وثرائها الدلالي وخصوصيتها التعبيرية. ويسهم هذا التكامل في توسيع نطاق حضورها العالمي، وإبراز مكانتها الرفيعة بين لغات العالم.
وممّا يبعث على الارتياح ما نشهده اليوم من تنامٍ ملحوظ في الاهتمام باللغة العربية، وتسليط الضوء عليها من خلال مبادرات ومشاريع متعددة، ولا سيما في اليوم العالمي للغة العربية؛ إذ تُنظَّم الندوات والمؤتمرات والملتقيات، وتُقدَّم المحاضرات واللقاءات العلمية والثقافية، للتعريف بمكانة هذه اللغة وأهميتها. ويواكب ذلك اهتمام متزايد من الجهات الحكومية والهيئات والمؤسسات والشركات بتفعيل هذا اليوم، تعبيرًا عن الاعتزاز باللغة العربية، وإيمانًا بدورها المحوري في بناء الهوية وتعزيز الحضور الثقافي والمعرفي.
ولا يقتصر الاهتمام بأبحاث اللغة العربية على المتخصصين في حقولها العلمية، بل يمتد إلى أفراد حملوا همّها بدافع الوعي والشغف والانتماء. وقد سنحت لي الفرصة للتحاور مع أحد المهتمين باللغة العربية، الأستاذ رضوان جلالي، ممّن يمتلكون معرفة رصينة تضاهي معرفة المختصين؛ فلفت انتباهي عمق اطّلاعه، وسلامة لغته، ودقة تعبيره، وحسن توظيفه للشواهد من الشعر والقرآن الكريم والحديث النبوي. وقد ازداد إعجابي حين علمتُ أنّه قرأ (لسان العرب) كاملًا، وهو جهد لا ينهض به إلا من يحمل هَمّ اللغة، ويعي مكانتها، ويناشد بعودة مجدها، بوصفها هوية أمة وركنًا من أركان عزّتها الحضارية.
ولم يقف اهتمامه عند حدود المعرفة النظرية، بل تجسّد في مبادرات عملية ومشروعات تطبيقية تخدم اللغة العربية؛ من أبرزها معجم ذكي جمع فيه مختلف المعاجم العربية، ولم يغفل فيه عن معاجم العلوم المتخصصة، فضلًا عن مشروعه (نورجمان)، الذي يحمل اسمًا ذا دلالة جميلة وفكرة أعمق، تعكس شغفًا حقيقيًا وجهدًا كبيرًا، ينبعان من محبة صادقة للغة العربية، وإيمان راسخ بأنها ليست مجرد أداة تواصل يومي، بل هوية أمة ورمز ثقافي ومعرفي. وقد طرح عددًا من الأفكار البحثية التي نوقشت في لقاءات علمية متعددة، غير أنّها لم تلقَ ما تستحقه من رواج أو تطبيق عملي، ولم تحظَ بالدعم المؤسسي الكفيل بتحويلها إلى مشروعات فاعلة تشعّ بنورها إلى العالم، وهو ما يسلّط الضوء على فجوة تستدعي إعادة النظر في آليات الاحتضان والتواصل مع الكفاءات اللغوية والمبادرات الفردية الواعدة.
ولا شك أنّ الجهود التي يبذلها مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية باتت واضحة الأثر، ولم يقتصر صداها على النطاق العربي فحسب، بل تجاوزته إلى آفاق عالمية، بما يعكس حضورًا فاعلًا للغة العربية في المشهد الثقافي والمعرفي الدولي. غير أنّ المرحلة الراهنة تفرض حاجة ملحّة إلى توسيع هذا الجهد عبر إنشاء مختبرات لغوية متعددة ومتخصصة، تُعنى بتقديم الدعم البحثي اللازم للباحثين في اللغة العربية، وتمكينهم من ربطها بمختلف العلوم والمعارف، في بيئة بحثية جامعة تحتضن الأفكار الواعدة، وتحوّل المبادرات المؤجلة إلى مشاريع تطبيقية فاعلة.
ولا يفوتني أن أشير إلى أن الجهود المبذولة اليوم محل تقدير وشكر، فقد أسفرت عن نتائج ملموسة تسهم في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، وتسابق الزمن لصناعة مستقبل طموح يُكتب بالعربية، ويُرسّخ لغة الوطن في ميادين التنمية والمعرفة.
غير أنّنا ما زلنا في حاجة إلى تكثيف حضور اللغة العربية في مختلف جوانب الحياة اليومية، في بيئات العمل، والفضاءات العامة، والطرقات، واللوحات الإرشادية، وفي التعليم، والحملات الإعلامية، والتوثيق السياحي، بل وحتى في السياسات المؤسسية الداخلية؛ إذ يعكس هذا التوجّه وعيًا متناميًا بأن اللغة ليست عائقًا أمام التقدم، بل هي شرط أساس من شروطه، وأن النهضة الحقيقية لا تتحقق إلا بلغة قوية قادرة على استيعاب العلوم الحديثة، وصياغة المفاهيم المعاصرة، والمشاركة الفاعلة في الإنتاج المعرفي العالمي.
ويتمثل التحدي الحقيقي الذي تواجهه اللغة العربية اليوم لا في قدرتها الذاتية، وإنما في كيفية تمكينها، وحسن استثمار إمكاناتها، وتوفير البيئة العلمية والتقنية التي تسمح لها بحضور مؤثر في عالم سريع التحوّل. فالعربية، بما تمتلكه من مرونة وثراء، قادرة على أن تعاصر الواقع وتنهض بالمستقبل، متى ما أُحسن التعامل معها بوصفها مشروعًا حضاريًا متجددًا، لا مجرد لغة لماضٍ مجيد.
ومن هذا المنطلق، ومع حلول اليوم العالمي للغة العربية، تتجدد المسؤولية الجماعية في خدمتها، والاعتزاز بها، والعمل الجاد على تطويرها، لتظل لغة علم وهوية وسيادة، تسهم في صناعة الغد كما أسهمت في بناء الأمس، وتؤكد أن الأمم التي تصون لغتها، إنما تصون مكانتها في التاريخ والمستقبل معًا.
** **
- مريم الشويمان