في خضم المتغيرات الإقليمية المتسارعة، تبرز العلاقات الاقتصادية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية الصومال الفيدرالية كأحد المسارات الواعدة لإعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، لا بوصفها علاقات تقليدية قائمة على التبادل التجاري فحسب، بل كشراكة إستراتيجية تمس الأمن الغذائي، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الإقليمي.
ويستند هذا الطرح إلى تقارير مؤسسية حديثة، من بينها تقرير «المشاريع الاستثمارية القابلة للتمويل في الصومال (2026 - 2030)» الصادر عن مكتب ترويج الاستثمار الصومالي (SOMINVEST)، إلى جانب تقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمجلس الاقتصادي الوطني الصومالي، والتي تعكس مجتمعة مرحلة اقتصادية جديدة يسعى فيها الصومال إلى الانتقال من اقتصاد قائم على المساعدات إلى نموذج أكثر استدامة، مرتكز على الاستثمار والشراكات طويلة الأجل.
سياق إقليمي يعيد تعريف الأولويات
أعادت الاضطرابات الجيوسياسية في البحر الأحمر وخليج عدن، وتزايد التنافس الدولي على الموانئ والممرات البحرية، تسليط الضوء على القرن الأفريقي باعتباره عقدة لوجستية واقتصادية بالغة الأهمية، ولم تعد العلاقات الثنائية تُقاس بحجم التجارة السنوي فقط، بل بقدرتها على تعزيز المرونة الاقتصادية، وحماية سلاسل الإمداد، وبناء شراكات قادرة على الصمود في وجه الأزمات الإقليمية المتشابكة.
أساس تاريخي متين للعلاقة
ترتكز العلاقات السعودية - الصومالية على تاريخ طويل من الروابط السياسية والدينية والتجارية، يعود إلى ما قبل نشوء الدولة الوطنية الحديثة في البلدين، وتبلور رسميًا مع انطلاق العلاقات الدبلوماسية في ديسمبر 1960، حيث اتسم هذا المسار بالاستقرار واحترام السيادة، وتلاقي المواقف في القضايا الإسلامية والدولية.
وقد شكّل اللقاء الذي جمع الملك فيصل بن عبد العزيز - رحمه الله - والرئيس الصومالي آدم عبد الله عثمان محطة تأسيسية مبكرة في مسار العلاقات بين البلدين، وأسهم في ترسيخ إطارٍ مؤسسي للتعاون السياسي والاقتصادي في سنوات ما بعد الاستقلال.
وشكّل التوافق السياسي المبكر بين قيادتي البلدين إحدى المحطات المفصلية، حيث أسهمت الصومال بدور مبادر في فكرة إنشاء رابطة العالم الإسلامي، التي تبنتها المملكة وأُعلنت من مكة المكرمة عام 1962، قبل أن تتطور لاحقًا إلى منظمة التعاون الإسلامي بصيغتها الحالية، وهو ما يعكس عمق الرؤية المشتركة في بناء أطر تعاون تتجاوز البعد الثنائي إلى الفضاء الإسلامي الأوسع.
وخلال العقود اللاحقة، واصلت المملكة العربية السعودية دعمها للشرعية المركزية في الصومال، ومساندة مسارات المصالحة، وتعزيز الهوية العربية - الإسلامية، إلى جانب دورها المحوري في دعم انضمام الصومال إلى جامعة الدول العربية عام 1974م.
من الدعم إلى الشراكة المؤسسية
في السنوات الأخيرة، انتقلت العلاقة الاقتصادية بين البلدين من إطار الدعم التنموي والإنساني إلى شراكة مؤسسية أكثر تنظيمًا، وقد تُوّج هذا المسار بتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم ثنائية شملت مجالات الاقتصاد والتجارة، والعمل والموارد البشرية، والطيران والنقل، والطاقة والتعدين، إضافة إلى التعاون في أمن البحر الأحمر عبر مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، الذي تتخذ الرياض مقرًا له.
وسجّل حجم التبادل التجاري بين البلدين نمواً يُقدّر بنحو 24 % خلال العامين الأخيرين، وهو مؤشر يعكس تحسن البيئة السياسية وتنامي ثقة القطاع الخاص في آفاق الشراكة.
ويكتسب هذا التحول نحو الشراكة المؤسسية دلالته الاقتصادية عند النظر إلى أن الدعم السعودي للصومال لم يكن محصورًا في الإغاثة الظرفية، بل امتد على مدى عقود ليشمل مسارات متكاملة، من دعم بعض متطلبات الاستقرار المالي والموازنة العامة، والمساهمة في بناء البيئة المؤسسية والقطاع المصرفي، وتوفير احتياجات أساسية في مجالات الطاقة والخدمات، إلى جانب دعم مشاريع تنموية متفرقة في البنية التحتية والإسكان والتعليم، كما يمنح هذا التراكم التاريخي الشراكة الحالية أساسًا واقعيًا، ويجعل الانتقال نحو الاستثمار المباشر وتوسيع دور القطاع الخاص مسارًا طبيعيًا لا قفزة غير محسوبة.
زاوية الرؤية: لماذا تبدو الشراكة اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى؟
ما يميّز المرحلة الراهنة في مسار العلاقات الاقتصادية السعودية - الصومالية ليس وفرة الفرص بحد ذاتها، بل تزامنها مع لحظة إقليمية دقيقة تعيد تعريف مفهوم الشراكة الاقتصادية، فالمعادلة لم تعد تقوم على «ماذا نملك؟» بقدر ما تقوم على «متى نتحرك؟» و»كيف نُحسن إدارة التوقيت؟».
إن التحولات في خرائط الإمداد العالمية، وارتفاع كلفة المخاطر الجيوسياسية، وتراجع موثوقية بعض الأسواق التقليدية، جعلت من البحث عن شركاء مستقرين ومرنين خيارًا استراتيجيًا لا ترفًا اقتصاديًا، وفي هذا السياق، يبرز الصومال، ليس فقط كمصدر موارد، بل كنقطة ارتكاز مستقبلية في معادلة الأمن الغذائي واللوجستي الإقليمي، إذا ما أُحسن توظيف موقعه وموارده ضمن أطر مؤسسية واضحة.
ومن الجانب السعودي، فإن الانتقال من دور الداعم إلى دور الشريك يعكس نضجاً في المقاربة الاقتصادية، وانسجاماً مع رؤية تقوم على الاستثمار المنتج، وقياس الأثر، وبناء القيمة طويلة الأجل، وهذا انتقال لا ينفصل عن خبرة تراكمية في التعامل مع البيئات الناشئة، ولا عن إدراك عميق بأن الاستقرار الاقتصادي الإقليمي جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني. هذه اللحظة تحديدًا، بما تحمله من تحديات وفرص، تجعل من الشراكة السعودية - الصومالية خياراً عقلانيًا واستباقيًا، لا مجرد امتداد لعلاقة تاريخية، بل إعادة صياغتها بما يتلاءم مع اقتصاد أكثر تعقيدًا، ومخاطر أعلى، وحاجة أشد إلى التكامل لا الاكتفاء بالتبادل.
الأمن الغذائي ركيزة الشراكة الاقتصادية
يمثل قطاع الثروة الحيوانية أحد أعمدة العلاقة الاقتصادية بين البلدين، إذ تُعد المملكة العربية السعودية أكبر سوق خارجية للمواشي الصومالية، مستحوذةً على نحو 70 % من إجمالي صادرات المواشي الصومالية إلى دول الخليج والدول العربية. وخلال عام 2025، قُدّر عدد رؤوس الماشية المصدّرة إلى السوق السعودي بما بين 5 و6 ملايين رأس، بقيمة مالية تجاوزت مليار دولار.
وشهدت هذه العلاقة تطورًا نوعيًا مع دخول شركات سعودية في إنشاء مختبرات ومحاجر بيطرية حديثة في الموانئ الصومالية، بما يسهم في رفع كفاءة سلاسل الإمداد وتقليل المخاطر الصحية، ويعزز موثوقية التصدير على المدى الطويل، خاصة في ظل تراجع صادرات المواشي.
أسواق تقليدية أخرى، وتأثر سلاسل الإمداد الإقليمية بالصراعات القائمة وتتجاوز أهمية هذا القطاع البعد التجاري المباشر، إذ تشكّل الثروة الحيوانية مكوّنًا رئيسيًا في البنية الإنتاجية للاقتصاد الصومالي، ما يجعل تطوير سلاسل القيمة المرتبطة بها - من التصنيع الغذائي، والتبريد، والتخزين، إلى النقل والمعايير الصحية - خيارًا استراتيجيًا يخدم الأمن الغذائي للطرفين، كما تمثل الموارد البحرية الصومالية غير المستغلة فرصة إضافية لبناء شراكات عملية في مجالات الصيد والتجهيز والنقل، بما يحد من تقلبات الإمدادات ويعزز تنويع مصادر الغذاء.
فرص اقتصادية واعدة
1 - الأمن الغذائي وسلاسل القيمة:
يمتلك الصومال موارد كبيرة في الثروة الحيوانية والسمكية والزراعية، فيما تمتلك السعودية سوقًا واسعة وخبرة استثمارية ولوجستية متقدمة، والتحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من تصدير المواد الخام إلى بناء سلاسل قيمة متكاملة تشمل التصنيع الغذائي، والتخزين والنقل، والامتثال للمعايير الصحية، بما يعزز الأمن الغذائي ويحقق قيمة مضافة للطرفين.
2 - اللوجستيات والموانئ:
يمثل الموقع الجغرافي للصومال فرصة استراتيجية لتعزيز الربط البحري مع الموانئ السعودية، خصوصًا في البحر الأحمر، ويمكن لشراكات تشغيل وتطوير الموانئ أن تسهم في رفع الكفاءة، وتعزيز تدفق التجارة الإقليمية، ودعم استقرار سلاسل الإمداد.
3 - الطاقة والمياه والبنية التحتية:
تشكل مشاريع الطاقة المتجددة والمياه والبنية التحتية مدخلًا أساسيًا للاستقرار الاقتصادي، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار الخاص، خصوصًا في ظل ما تمتلكه الصومال من إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
4 - تمكين القطاع الخاص:
يبقى القطاع الخاص حجر الزاوية في تحويل الفرص إلى مشاريع ملموسة، من خلال تفعيل مجالس الأعمال، وتطوير منصات استثمارية مشتركة، وربط المستثمرين بالفرص القابلة للتنفيذ.
تحديات يجب إدارتها بحكمة
رغم الفرص الواعدة، تظل هناك تحديات تتعلق بالحوكمة، وتعدد مراكز القرار، والمخاطر المرتبطة بالأسواق الناشئة. وتشير تقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن تحسين تعبئة الإيرادات المحلية، وتعزيز الانضباط المالي، وبناء القدرات المؤسسية، تمثل شروطًا أساسية لاستدامة النمو الاقتصادي في مرحلة ما بعد تخفيف أعباء الديون، التي شُطب أكثر من 90 % منها عام 2025م.
وفي هذا السياق، يكتسب سجل الدعم الإنساني والتنموي السعودي للصومال أهمية خاصة من منظور استثماري، إذ تشير التقديرات إلى أن إجمالي المساعدات المباشرة بلغ نحو 1.2 مليار دولار، إلى جانب تنفيذ ما يزيد على 157 مشروعًا إنسانيًا وتنمويًا غير حكومي، استفاد منها ما يقارب 10 ملايين نسمة على مستويات مختلفة.
كما نفّذ مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية وحده 149 مشروعًا إغاثيًا وتنمويًا في الصومال، بتكلفة إجمالية تجاوزت 250 مليون دولار، وهو ما أسهم في بناء الثقة، وخفض جزء من المخاطر غير التجارية، وتهيئة بيئة أكثر قابلية للانتقال من الدعم إلى الاستثمار المستدام القائم على الحوكمة وقياس الأثر.
نحو شراكة استراتيجية متوازنة
إن مستقبل العلاقات الاقتصادية السعودية - الصومالية لا يكمن في تضخيم الأرقام، بل في جودة الشراكات وعمق التكامل. ومع ما تمتلكه المملكة من رؤية اقتصادية طموحة وخبرة مؤسسية، وما يملكه الصومال من موقع استراتيجي وموارد واعدة، فإن الشراكة بين البلدين مؤهلة لأن تكون نموذجًا إقليميًا للتعاون القائم على المصالح المشتركة والتنمية المستدامة.
قراءة ختامية:
تعكس العلاقات الاقتصادية السعودية - الصومالية مسارًا متقدمًا لشراكة تتجاوز التبادل التجاري إلى تكامل استراتيجي قائم على المصالح المشتركة والتنمية المستدامة. ويُسهم التراكم التاريخي للعلاقة، إلى جانب الفرص الاستثمارية المتاحة وتلاقي الإرادة السياسية، في تهيئة بيئة مواتية لبناء تعاون طويل الأمد يخدم الاستقرار والنمو في المنطقة.
إن تعميق هذه الشراكة يتطلب تعزيز الأطر المؤسسية، وتفعيل دور القطاع الخاص، وإدارة التحديات بحوكمة فعّالة، بما يحوّل الفرص القائمة إلى مشاريع ذات أثر اقتصادي ملموس. وفي ظل المتغيرات الإقليمية، تبرز هذه العلاقة بوصفها خيارًا استراتيجيًا قابلًا للنمو والاستدامة.
** **
د. فيصل بن سعد البقمي - رئيس مجلس الأعمال السعودي - الصومالي