أ.د.صالح معيض الغامدي
عند قراءتي لسيرة ذاتية سعودية معينة بهدف الكتابة عنها بعد الاستمتاع بها والإفادة منها بطبيعة الحال، أحاول دائما التركيز في كتابتي عنها على الجوانب التي تبدو لافتة فيها، والتي ربما تميزها عن غيرها، فمن المعلوم أن هناك مشتركات كثيرة في كتابة السيرة الذاتية السعودية، لا تكون مجالا للتميز أو الفرادة في حد ذاتها رغم أهميتها. وهذه المشتركات تكون عادة مجالا للدراسات الموسعة، مثل الأطروحات العلمية والكتب النقدية وغيرها.
أما القراءات النقدية المخصصة لسيرة واحدة فيجدر بها في اعتقادي أن تركز بالدرجة الأولى على الجوانب التي تميز هذه السيرة عن غيرها، أو بمعنى آخر على الجوانب التي تبدو مختلفة عن غيرها في السير الذاتية الأخرى، ولا بأس في أن يشار إلى بعض الجوانب المشركة، إن كانت الإشارة مهمة في إبراز جوانب التميز والاختلاف.
وهذا المقال هو قراءة لسيرة د سلطان القحطاني الذاتية « خلاصة الكلام بين التعليم والإعلام: سيرة ذاتية».
ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذه السيرة كلمة «خلاصة» التي وردت في العنوان، وهي كلمة تحدد منهج الكاتب في تحديد مضمون سيرته، فهو يفيد بأنه لن يهتم بالتفاصيل الدقيقة في سرد تجاربه الحياتية في المجالين التعليمي والإعلامي اللذين قرر أن يبرزهما أكثر من غيرهما في هذه السيرة.
وهذا التقييد العنواني، (ولي مقال منشورعن التقييد العنواني) هو إجابة استباقية لكل تساؤل قد يثيره القراء لاحقا حول أي نقص في مضامين هذه السيرة، هذا على الرغم من أن الطول النسبي للسيرة التي كتبها القحطاني (260 صفحة) قد لا يبرر عند بعض القراء استعمال هذا التقييد العنواني المتمثل في استعمال كلمة « خلاصة»، كما أن التركيز في العنوان على تجاربه الحياتية في التعليم والإعلإم لا يعني بالضرورة عدم شمولية هذه السيرة لجوانب الحياة المختلفة للكاتب.
ومما له علاقة بالتلخيص والخلاصة أننا نجد الكاتب يضع في مقدمته ما يشبه الخلاصة المكثفة لسيرته الذاتية، يبدؤها بقوله «حياتي حياة طفل فقد أباه في الخامسة من العمر، وتعلق بأمه وبجده الذي فقده هو الآخر في العاشرة من العمر، وكان فقده شديدا، فالأب كان في عمر لم يؤهله لمعرفة الفقد، لكن الجد في عمر أشد ألما لما كان يعيش معه حتى في المنام بجانبه. …. الخ «ويمضي في هذا المقطع التلخيصي القصير للسيرة. ويبدو لي أن وظيفة هذا التخليص الذي ورد في المقدمة قد كانت التشويق وإثارة فضول القارىء لما سيورده الكاتب لاحقا في فصول سيرته من أحداث وتجارب.
وهناك نوع آخر من التلخيص الذي لاحظته في السيرة يمكن تسميته بالتلخيص الرابط، وهو التلخيص الذي يستهل به الكاتب بعض عناوين فصوله وذلك بالإشارة إلى ما تم إنجازه من سرد لأحداث في الأجزاء السابقة، وربما كان الهدف من هذا التلخيص هو ربط ما سبق سرده بما سيرد لاحقا. وربما دل ذلك على الكتابة المتقطعة لهذه السيرة في أوقات مختلفة.
أما الجانب الثاني الذي يلفت الانتباه في هذه السيرة فهو التشكيل البنيوي لها، فالسيرة مكونة من ثلاثة فصول: الفصل الأول وقد جاء بدون عنوان رئيس، واهتم بسرد (ما قبل الإدراك) كما يقول المؤلف، وهو فصل يقول الكاتب عنه إنه نقل «مادته من أفواه الرواة الذين عرفوني طفلا، لا يعي شيئا، سواء من الأسرة أو المقربين من والدي، وقارنت كثيرا بين تلك الأخبار، وتحققت من صحتها».
وعلى الرغم من أن كثيرا من كتاب السيرة الذاتية يعتمدون على الاستعانة بما يرويه الآخرون عنهم في زمن الطفولة، وهو ما اسميته في كتابي « العيش مرتين» بـ «السرود المساعدة»، وهي السرود التي ينقلها كاتب السيرة الذاتية عن أشخاص آخرين حول جوانب من حياته وبخاصة في مرحلة الطفولة»، إلا أنني لم أر كاتبا واحدا قد خصص فصلا كاملا من سيرته الذاتية للرواة المساعدين غير سلطان القحطاني. وهو أمر بدا لي طريفا ولافتا للانتباه.
وقد سرد الكاتب الفصل الأول في سبعة عناوين فرعية خص فيها قبيلته وأسرته الممتدة بتفاصيل نَسَبيّة مطولة نسبيا، قل أن نجد مثلها في السيرة الذاتية السعودية، وسرد فيه كذلك حياته في مرحلة الطفولة حتى دخوله المدرسة ، وعرّف بوالده ووالدته وبعض أقربائه، وتحدث عن تنقلات أسرته في مناطق متعددة، وسرد عدة أحداث مرت به وبأسرته، لعل من أهمها قصة ما يسمى بمرض» التابعة» الذي فتك بإخوته وأفلت منه الكاتب بفضل الله ثم بفضل الكي بريال فرانسي قتل هذه التابعة ، وسرد كذلك وفاة جده ووالده وغيرها من الأحداث الصعبة التي أثرت فيه بطريقة أو بأخرى، وكان ذللك السرد يستند في معظمه على الرواة المساعدين كما ذكرنا .
أما الفصل الثاني، الذي ورد بغير عنوان رئيس أيضا، فقد خصصه الكاتب لسرد تجاربه الحياتية (زمن الإدراك) أو التي يتذكرها ويعتمد في سردها على ذاكرته، وعلى ذاكرته الذاتية فقط، فلم تكن لديه يوميات أو ذكريات مكتوبة يعتمد عليها، كما ذكر» فأنا لم أدون شيئا على الإطلاق، لأنني لا أرى أنني ممن يستحق ذلك بالرغم من التجربة القاسية في حياة شخص مثلي».
وفي هذا الفصل يسرد الكاتب تجاربه الحياتية المدركة تحت عدة عناوين فرعية بلغ عددها 17 عنوانا تتحدث عن موضوعات متنوعة، يقودها كثيرا أسلوبا التداعي والاستطراد، وهذه الموضوعات تشمل مراحل تعليمه حتى أصبح معلما وبدأ في التدريس، وبداياته الإعلامية ورحلة إيفاده للعمل معلما في اليمن، وبعضا من مسيرته الإعلامية وتجاربه الإبداعية في مجال الرواية..
أما الفصل الثالث، فقد تكون من 20 عنوانا فرعيا في موضوعات متفرقة، يتقاطع كثير منها مع ما سبق أن أشار إليه في الفصل الثاني، ولذلك كثر إيراد عبارات من مثل «كما ذكرنا» أو «كما ذكرت» وغيرها من العبارات الإحالية الأخرى، ولعل أهم ما في هذا الفصل هو سرد إكمال دراسته الجامعية في جامعة الملك سعود وتجربته المثيرة خلال ابتعاثه إلى بريطانيا لنيل درجة الدكتوراة، وما مر به من مواقف صعبة خلال البعثة في جامعة جلاسكو وبعد العودة منها للعمل في جامعة الملك سعود. وقد أورد عددا من الحكايات والتجارب القاسية والصعبة التي واجهته خلال هذه الفترة، وكثير منها لم يكن بفعله، ولكن بفعل الآخرين، ولا نملك إلا أن نعجب بروح التسامح الكبير التي أبداه الكاتب لكل من كان سببا في وضع العراقيل في طريقه أو الإساءة إليه بصورة أو بأخرى، وهويكرر كثيرا عبارت من مثل «فلا جدوى من بحث أمور ليست في صالح الجميع، عفا الله عما سلف».
(للمقال بقية)