إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
استضاف جاليري (سينرجي) في الدرعية حدثاً فنياً مميزاً، حيث شرع الفنان التشكيلي السعودي زهير طولة أبواب معرضه الشخصي «مزاج فن» أمام عشاق الجمال، ليقدم لهم تجربة بصرية تغوص في أعماق النفس البشرية. لم يكن هذا المعرض مجرد محطة عابرة في مسيرة الفنان، بل جاء بمثابة دعوة مفتوحة لقراءة ما يعتمل في الصدور، عبر لغة تشكيلية تتجاوز حدود المنطق لتخاطب الوجدان مباشرة.
تتجلى فلسفة المعرض في قدرة طولة على تحويل «المزاج» من حالة شعورية مجردة إلى كيان ملموس، متخذاً من الوجه الإنساني مسرحاً لهذه الانفعالات.
وحين يتجول المتأمل بين الأعمال، يلمس بوضوح ابتعاد الفنان عن القوالب الجامدة والرسم الواقعي الدقيق، مستبدلاً إياها بأسلوب تعبيري يعتمد على العفوية المدروسة؛ حيث تنساب الخطوط فوق اللوحات في تداخلات كثيفة ومتراكبة تشبه «الخربشات» الطفولية في براءتها، لكنها تحمل عمقاً فلسفياً يحاكي تعقيد المشاعر التي تتشابك في داخلنا ولا تسير في خطوط مستقيمة.
في هذا الفضاء الفني، تغدو الوجوه خرائط شعورية؛ فلا تُرسم الملامح بحدود صارمة، بل تتشكل من خلال شبكة من الخطوط البيضاء أو السوداء التي تدور وتلتف لتخلق العيون والأنف والفم، مانحة الشخوص طاقة حركية وكأنها في حالة قلق أو تساؤل دائم. وتلعب الألوان دور البطولة في هذا السرد البصري، فنجد وجوهاً غارقة في درجات الأزرق العميق، تأخذ المتلقي إلى عوالم من السكينة أو ربما العزلة الشجنية، بينما تشتعل لوحات أخرى بالأحمر الصريح لتعبر عن توهج العاطفة والحياة. وفي زاوية أخرى، تتجرد بعض الأعمال من اللون لتكتفي بصراع الأبيض والأسود، مقدمة وجوهاً تطاولت ملامحها لتبدو كأقنعة درامية تكتم أسراراً دفينة.
ولعل أكثر ما يشد الناظر في هذه الأعمال هي تلك العيون الواسعة التي تطل من خلف طبقات الخطوط المتشابكة، وكأنها نوافذ مشرعة على الروح، تحاول البوح بما تعجز الكلمات عن قوله. هذا الطرح الفني العميق ليس غريباً على زهير طولة، ابن المدينة المنورة الذي تشرب الفن منذ صغره، وراكم خبرات طويلة مكنته من نيل جوائز عالمية رفيعة مثل السعفة الذهبية من بلجيكا، ليؤكد في كل محطة أن الفن لديه هو رسالة فكرية وأداة لاستكشاف الذات، وليس مجرد زينة عابرة.
هكذا يغادر الزائر معرض «مزاج فن» وقد تلبسته حالة من التأمل، بعد أن وجد في لوحات طولة مرايا تعكس تقلباته الشخصية، موقناً بأن تلك الخطوط العفوية المتداخلة لم تكن سوى محاولة صادقة لرسم فوضى المشاعر البشرية وترتيبها بصرياً، في تجربة تثبت أن الفن هو اللغة الأصدق حين يصمت كل شيء.
** **
تويتر: AL_KHAFAJII