محمد حمد الجميعة - الرياض:
في افتتاحات المعارض نسمع جُملاً تسبق النظر أحيانًا: «مبدع... رائع... استمر». لا عيب في التشجيع، بل العيب أن يصبح التشجيع هو اللغة الوحيدة بيننا وبين اللوحة. عندها يتحول الإعجاب من طاقة تدفع الفنان إلى «سقف» يحدّه: ما دام الجميع يصفّق، فلماذا أراجع قراراتي؟ ولماذا أختبر لغتي البصرية خارج منطقة الأمان؟
الخلط الأكبر الذي يربك الساحة هو بين النقد والإنتقاد. الانتقاد غالبًا يبحث عن ثغرة ليُدين، ويعامل الفنان كهدف، ويستعجل الحكم قبل الفهم. أما النقد الفني، بمعناه المهني، فهو قراءة قبل أن يكون حكمًا: يبدأ بوصفٍ دقيق لما نراه، ثم تحليل للعلاقات داخل العمل (التكوين، الإيقاع، الضوء، الحواف، المادة، الطبقات، الرموز) ثم تأويل لمعناه ضمن سياقه الثقافي، ثم حكم معلّل يشرح لماذا نجح القرار الفني هنا ولماذا تعثّر هناك. النقد لا يجرح الكرامة ولا يوزّع شهادات حسن سلوك؛ إنه يُضيء.
في قلب هذا الالتباس سمعتُ مرة عبارة تُقال بثقة: «الفن تعبير حر.. لذلك لا أحتاج رأي أحد». العبارة تدافع عن حق صحيح- حق الاختيار- لكنها تُسقط حقًا آخر لا يقل أهمية: حق القراءة. الفنان حرّ أن يختار لغته، لكن العمل حين يُعرض يدخل مجال التلقي العام: يُفهم ويُساء فهمه، ويُقرأ بوصفه خطابًا بصريًا لا سِرًّا شخصيًا. النقد هنا لا يقيد الحرية بل يكشف المسافة بين «ما قصدته» و»ما وصل». ويمكن للفنان أن يرفض الملاحظات كلها -وهذا حقه- لكن رفض المراجعة من الأصل يعني الاكتفاء بما تعرفه الآن.. وكأن التجربة اكتملت. والفن بطبيعته لا يكتمل إلا بالسؤال.
غياب النقد لا يضر الفنان وحده؛ يضر المشهد كله. يضر المتلقي لأنه لا يتعلم كيف يرى، بل يكتفي بانفعال سريع. ويضر المؤسسة عندما يغدو معيار التقدير تابعًا للصدفة أو العلاقات أو منطق السوق وحده، لا تابعًا للمعرفة. ومع كثرة «المنتجات» الفنية، يصبح السؤال ملحًا: هل نريد أعمالًا كثيرة أم لغة بصرية تتقدم فعلاً؟
ثمّة مؤشر بسيط يكشف غياب النقد: أن يتحول الحديث حول العمل إلى الحديث حول صاحبه. بدل أن نسأل: ماذا تقول اللوحة؟ وكيف تقول؟ ولماذا اختارت هذا الإيقاع وهذه المادة؟ نسمع: «الفنان طيب»، «أسلوبه محبوب»، «له جمهور»، أو «ترند». في هذه اللحظة ينسحب العمل من مركز النقاش، ويحلّ مكانه «الاسم» و»الانطباع الاجتماعي»، فتذوب المعايير ويصير التطور مجرد تكرارٍ ناجح لا تجربة تُختبر.
ولكي لا تبقى الدعوة عامة، لنتفق على التفريق بين مستويات الكلام التي تُقال للفنان. هناك انطباع شخصي («لامستني/لم تلامسني») وهو صادق لكنه لا يشرح السبب. وهناك رأي عام ( التكوين مزدحم, أو الفكرة مألوفة ) وهو مفيد إذا استند إلى دليل محدد داخل العمل. وهناك توجيه تقني (خفف العناصر في اليسار أو ارفع التباين عند مركز الاهتمام) وهو يساعد لوحة بعينها لكنه قد يبقى سطحيًا إن لم يرتبط بمعنى العمل. ثم يأتي النقد الفني: قراءة تربط الشكل بالمعنى، وتعلّل حكمها، وتقترح مسار تطوير لا مجرد تعديل موضعي.
الفنان الذي يريد أن ينمو لا يسأل - ما رأيك ؟ - فقط ، لأن هذا السؤال يستدرج المجاملة في بيئة لطيفة بطبعها. يسأل سؤالًا محددًا: أين يضعف العمل: في الفكرة أم في البناء أم في التنفيذ؟ هل الرمز يُقرأ دون شرح طويل؟ هل الإيقاع يقود العين أم يشتتها؟ ثم يطلب قراءة مكتوبة قصيرة من شخصين مختلفين: فنان مجرّب وناقد/ أكاديمي. الكتابة تُجبر القارئ على الدقة، وتمنح الفنان مرجعًا يعود إليه بعد أن يبرد ضجيج الافتتاح.
التشجيع شمس-لا غنى عنها. والنقد مطر-لا بديل له. والوردة لا تعيش على أحدهما وحده. وإذا كان الفنان يبحث عن موضوع يدهش الناس، فليبحث أيضًا عمّن يقرأ تجربته بصدق، لأن الإعجاب جميل... لكنه إن لم يتحول إلى معرفة، يصبح سقفًا.