الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
نهى الإسلام عن سوء الظن بالآخرين باعتباره من المفاسد الخطيرة والخصال المذمومة القبيحة التي تؤدي إلى الشك وعدم الثقة بالناس، وتنشر الحقد والكراهية والغيرة المرضية والحسد وكلها من آفات النفس التي تدمر المجتمع.
«الجزيرة» طرحت القضية على عدد من المختصين في العلوم الشرعية والقانونية والتربوية والطبية، لرصد رؤاهم حول ذلك، والسبل الكفيلة لمنع توريث هذا السلوك المشين الذي يؤدي إلى زوال الثقة بين الناس، فماذا قالوا؟.
أمثال رائجة
يؤكد الدكتور محمد بن إبراهيم السعيدي أستاذ أصول الفقه بجامعة أم القرى، رئيس مركز سلف للبحوث والدراسات أن هذا الأمر وأشباهه عالجه القرآن منذ وقت مبكر حين قال في حادثة الإفك: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ)، فتعويد الأبناء على مواجهة الشائعات عن الآخرين بظن الخير بالنفس يؤدي إلى:
1 - تعويد النفس على عمل الخير.
2 - على حسن الظن بالناس.
وقد يكون سوء الظن غير ناتج عن إشاعة أو نحوها، بل يكون حين القيام بأي عمل مشترك، فهذا ينبغي أن يُعلم المرء الحرص وإجراء التدابير التي تحفظ الحق، وليس ذلك تغليباً لسوء الظن بل تغليب للحذر على النفس والحذر من سوء الظن.
وهناك أمثال رائجة كقولهم: اتقوا الناس بسوء الظن، فينبغي نقد هذه الأمثال أو بيان محدودية أعمالها.
الوقوف على الأسباب
يقول الدكتور عبدالعزيز بن عبدالرحمن التويجري أستاذ الإدارة والتخطيط المشارك بجامعتي الملك سعود والمجمعة: حتى نعرف السبل الكفيلة لمنع توريث سوء الظن، والذي يؤدي إلى زوال الثقة بين الناس، فإنه يلزم الوقوف على أسباب وقوعه، وهذه الأسباب وإن كانت منطقية عند أصحابها؛ فإن الوهم يعظمها. حتى يظنها صاحبها حقيقة، مشيراً لأهم هذه الأسباب، ومنها: التجارب السلبية السابقة، والبيئة التي قد يكون الشخص قد نشأ فيها، والتي تشجع على سوء الظن أو عدم الثقة بالآخرين، وكذلك الاستسلام لمشاعر الغضب، وما يترتب عليه من عمى البصيرة، فضلاً عن نقص المعلومة والتي تؤدي إلى سوء الفهم ثم سوء الظن.
ويشدد د. عبدالعزيز التويجري على أنه من الأهمية بمكان منع توريث سوء الظن، والذي يؤدي إلى زوال الثقة بين الناس عبر وسائل منها: تعزيز الثقة بالنفس، وتعزيز العلاقات الإيجابية في المجتمع، والاستماع من الآخرين مباشرة، وليس الاستماع عنهم، والمصارحة بدلاً من كتم المشاعر، وتدريب النفس على ممارسة التسامح، والتركيز على الإيجابيات، وقبل ذلك وبعده: احتساب الأجر فيما يحس به الفرد من ألم نفسي تحته مثل هذه المواقف.
جريمة عظيمة
ويبين الدكتور مسعد بن عايض الدوسري المحامي والمستشار الشرعي أن المجتمع المسلم تميز عن غيره من المجتمعات بروابط شرعية مجتمعية عظيمة تتمثل في أخلاق أهله من محبة، ووفاء، وكرم، وإحسان، وصلة، وبذل للمعروف، وإزالة لكل ما يؤذي عباد الله، هذا الشعار شعار ظاهري ولم يقف عند هذه الشعائر بل اهتم بسلامة القلب في تعامله مع الآخرين، وفي ردة فعله مع ما يصله من أخبار عن الآخرين، أو أفكار سلبية تمليها النفس الأمارة بالسوء لنشر القطيعة، والكراهية، والحياة البائسة، المنفرة للخير، الجالبة لبغض المجتمع بعضه بعضاً وذلك من خلال سوء الظن بالآخرين قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)، فأمر سبحانه باجتناب الكثير من الظن لوجود بعض الظن السيئ متى وجدت دلالاته، وأماراته، لكن إساءة الظن بالمسلم بغير دليل شرعي بين فهو لا يجوز، وهو محرم وهو من وسوسة الشيطان (علق سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله - على قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» يعني: الظن الذي لا سبب له، ولا موجب له، بل يظن بغير تهمة، وبغير سبب، هذا ظالم مخطئ لا يجوز، أما إذا كان ظنًا له أسباب فلا حرج فيه.
سوء الظن جريمة عظيمة في حق صاحبها، وحق المجتمع، سبب عظيم لخراب الديار، وتفشي الفرقة في البيت الصغير، والمجتمع، حتى يلحق الوطن الكبير، من نجاه الله من هذا المرض فهو الموفق، لأن الأصل في المسلم العدالة، والنصح، والمحبة، فمن اُبتلي بهذا الوباء فعليه الدعاء، ومناجاة الله أن يحول بينه وبين سوء الظن بالآخرين، عدم الانسياق وراء الأفكار الموحشة، القضاء على سلبية النفس، ومرضها، ترغيبها في محبة المجتمع، عدم التعميم على الآخرين بسبب موقف معين، وقد تميزت بلادنا حفظها الله، وحفظ حكامها، ومن يعيش عليها بكل معاني الطيبة، والمحبة، والنصح، والترابط، واللحمة الوطنية العظيمة تجد صاحب الشمال يحب من في الجنوب، وكذلك من في الشرق يحب من في الغرب تجد المصاهرة، التجارة، التراحم في ظل إقامة شريعة الإسلام، وعدل النظام، حفظ الله كل مسلم، ومسلمة، ومؤمن، ومؤمنة ورزقنا سلامة القلب، ومحبة الآخرين، وجعلنا من مفاتيح الخير، ومن مغاليق الشر، وعفا الله عمنّ ظلم، وبغى، وطغى، ورزقنا العفو، والعافية، وبلغنا رمضان في أحسن حال، فالله بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
اضطرابات شخصية
يشير الدكتور عبداللطيف بن محمد الفوزان أستاذ الخدمة الاجتماعية، والباحث والمستشار الاجتماعي إلى أن سوء الظن يعد من السلوكيات التي تنتج عن بعض الاضطرابات الشخصية، وبالتالي يحتاج الفرد إلى التخلص منه بخطوات منظمة وعلمية، (برنامج علاجي)، يقدم عليه بعزيمة صادقة، من هذه الخطوات عدم لإصغاء للأفراد الذين يعززون لهذه الصفة ويوغرون الصدور بالشكوك وبذم الآخرين -غالباً سوء الظن يشير إلى سلوك مشين أو غير مرغوب- ومقاومة التبعية في إصدار الأحكام على سلوكيات الغير، ويلي ذلك إحلال حسن الظن، وتلمس العذر للآخرين، وفي حال لم يجد العذر يتبنى عجزه عن الوصول لذلك. وقد يكتسب سوء الظن عن طريق تقليد الأشخاص الذين يظهر هذا السلوك منهم وعليه يجب الإنكار عليهم ليساعد نفسه على تبني مقاومة التقليد والبعد من الجلوس معهم. والشخص الذي يرغب في التخلص من سوء الظن يجب عليه في البداية أن يعلم أن هذا السلوك منهي عنه شرعاً، وبالتالي وجب عليه الامتثال لشرع الله.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا)، وفي رواية: لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً وفي رواية: لا تهاجروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض رواه مسلم: بكل هذه الروايات، وروى البخاري أكثرها. قال الشيخ محمد بن صالح العُثيمين -رحمه الله-: هذا الحديث الذي ذكره المؤلف بألفاظه، ينبغي للإنسان أن يتخذه مسارًا له ومنهجًا يسير عليه ويبني عليه حياته، فإنه جامع لكثير من مسائل الأخلاق التي إذا تجنبها الإنسان حصل على خير كثير والله الموفق.
وعن سعيد بن المسيَّب -رحمه الله- قال: (كتب إليَّ بعض إخواني من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أن ضع أمر أخيك على أحسنه، ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنَّن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملًا).
ظاهرة شائعة
ويشارك الدكتور عروة بن محمد حاميش أخصائي الأمراض الباطنية بالرياض برأيه من واقع الساحة الطبية: الشك بقرار الطبيب ظاهرة شائعة هذه الأيام ولها تداعيات سلبية تؤثر على صحة المريض واستجابته للعلاج، وللأسف العامل المؤثر في هذه الظاهرة هو اعتماد المراجع في أخذ المعلومة عن طريق وسائل الذكاء الاصطناعي دون معرفة ودراية عن صحة المعلومة ومصدرها، وهل هي فعلاً لها علاقة بالشكوى التي يعاني منها، مشيراً إلى أنه يمكن تقسيم الشك الذي يعاني منه المراجع لقسمين, شك إيجابي وشك سلبي.
الشك الإيجابي ومحاسنه
- الفهم الأفضل للحالة المرضية.
- المشاركة في اتخاذ القرار العلاجي.
طلب توضيح أو رأي آخر:
وهذا الشك لا يقلل من مكانة الطبيب ويحسن جودة الرعاية ويعزز الثقة بين الطبيب والمراجع.
الشك السلبي ومساوئه:
يفقد المريض الثقة الكاملة بكل الأطباء، ويعتمد على مصادر غير موثوقة، والمريض يغير العلاج باستمرار دون إشراف طبي، ويعيش قلقاً دائماً حول التشخيص والعلاج. وبالتالي تكون النتيجة: عبئاً نفسياً، وتأخيراً بالعلاج، مع تدهور بالحالة الصحية.
الذكاء الاصطناعي
يضيف د. عروة حاميش أخصائي الأمراض الباطنية بالرياض إلى أنه لو أردنا سرد بعض النقاط المهمة لعرفنا الفرق بين الطبيب والذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي: لا يفحص المريض، لا يراه لا يقيم التفاصيل الدقيقة من علامات حيوية وسريريه مهمة أثناء الكشف، بينما الطبيب يجمع المعلومات.
والقصة السريرية مع الكشف العياني والاعتماد على الفحوصات المساعدة للوصول للمعلومة الصحيحة وإعطائها للمريض.
ويبين د. عروة حاميش أخصائي الأمراض الباطنية بالرياض حول كيفية التقليل، والمحافظة على الثقة، يكون وفق الآتي:
- دور الطبيب: شرح القرار الطبي بوضوح والترحيب بأسئلة المريض واستفساره وتبيان الوضع الطبي له بشكل مبسط.
- دور المريض: الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للفهم وليس للحكم.
- طرح الأسئلة بدل المواجهة والشك، وكذلك طلب رأي آخر من دون خلق عداوات.
الطبيب وسوء الظن
ويشدد الدكتور فواز بن عبدالرحمن الحوزاني أخصائي الأمراض الباطنية بالرياض على أن الطبيب والكادر الطبي من أكثر الفئات التي تتحمّل مسؤولية عظيمة في المجتمع، إذ تتعلّق مهنتهم بحياة الإنسان وصحته، ومع ذلك يتعرّضون أحيانًا لسوء الظن والشك من قبل المرضى وذويهم أو من قبل المجتمع عمومًا، مشيراً إلى أن هناك أسباباً متعددة لهذا السلوك غير الصحي كما أن له بالتأكيد آثاراً صحية ونفسية واجتماعية ودينية.
خلق مذموم
وعد د. فواز الحوزاني سوء الظن من الأخلاق المذمومة في ديننا التي نهى الله تعالى عنها، حيث قال في سورة الحجرات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ).
والطبيب في الإسلام صاحب رسالة إنسانية عظيمة، يسعى لحفظ النفس، وهي من مقاصد الشريعة الخمسة، وسوء الظن به دون دليل يُعد ظلمًا واعتداءً على سمعته وجهده، كما يحث الإسلام على حسن الظن بالناس عموماً وخاصة أهل العلم والأمانة، ويجب التأكد قبل إطلاق الأحكام أو الاتهامات جزافاً، والصبر والرضا بقضاء الله فالشافي هو الله والطبيب سبب في ذلك بإذن الله، ومن الناحية الطبية فإن سوء الظن والشك في الطبيب يؤثر بشكل مباشر وينعكس على جودة ونوعية العلاج أحياناً، فعندما يفقد المريض ثقته بطبيبه فقد لا يلتزم بالخطة العلاجية ولا يقوم بإجراء الفحوصات المقترحة من قبل الطبيب ويشك في تشخيص الطبيب، وبالتالي يتنقل بين الأطباء لعدم ثقته وقناعته بهذا الطبيب أو ذاك، كما أن القرارات الطبية في كثير من الأحيان تعتمد على الاحتمالات والاجتهاد العلمي، وليس على اليقين المطلق، لأن الأجسام تختلف والاستجابة للعلاج ليست واحدة عند الجميع، والطبيب قد يبذل أقصى جهده، ومع ذلك لا تتحقق النتيجة المرجوة، وهذا لا يعني بالضرورة تقصيرًا أو سوء نية من قبل الطبيب.
ومن الناحية النفسية فإن سوء الظن يرتبط بالخوف والقلق، فالمريض يكون في حالة ضعف وألم، ما يجعله أكثر حساسية وتوترًا، وقد يُسقط مخاوفه على الطبيب أو الكادر الطبي، كما تلعب بعض العوامل دورًا مهمًا في حدوث الشك وسوء الظن لدى المريض، مثل: التجارب السلبية السابقة أو القصص المتداولة في المجتمع ووسائل التواصل الاجتماعي وضعف الوعي الصحي، وعدم فهم طبيعة المرض أو العلاج أو حتى عوامل نفسية كالوسواس القهري أو اضطراب الشخصية الزورانية.
أما بالنسبة للكادر الطبي، فإن سوء الظن المتكرر يسبب ضغطًا نفسيًا وإرهاقًا مهنيًا وفقدان الدافع والشغف الوظيفي، وبالتالي يحدث توتر في العلاقة بين الطبيب والمريض، مما ينعكس سلبًا على العملية العلاجية.
الحوار المفتوح
ينبه الدكتور فواز الحوزاني أخصائي الباطنية بالرياض على أن بناء الثقة بالحوار المفتوح، وتقديم الدعم النفسي، وتقديم خطة العلاج بشكل واضح للمريض وذويه، مع فهم أن الأطباء بشر يرتكبون أخطاء لكن دوافعهم دائماً ليست سيئة، مع ضرورة عدم تجاهل الأخطاء الحقيقية التي يمكن أن تحدث أحياناً، ومحاسبة المقصرين.