عبدالوهاب الفايز
مقال الأسبوع الماضي تناول أهمية إطلاق (مشروع وطني لتوثيق تاريخ الدبلوماسية السعودية)، ومن المبررات التي تدعم أهميته القيمة المضافة المتولدة عنه والتي لا تقل عن أهمية التوثيق، ونقصد أثره الايجابي المباشر الممتد إلى تعزيز مكانة ومعنويات العاملين في السلك الدبلوماسي السعودي وتمكينه من مواصلة النجاح خلال المائة عام القادمة، بعون الله.
وترسيخ التقدير والاحترام للوزارة ولموظفيها واجب وطني يوازي أهمية التوثيق التاريخي. فعندما يرى الجيل الحالي من الدبلوماسيين اهتمام الدولة بتوثيق إنجازات الأجيال السابقة، وحماية مهنة الدبلوماسية والاعلاء من مكانتها، سوف ينعكس هذا الوفاء والتقدير إيجاباً على معنوياتهم، ويعزز الصورة الذهنية المتميزة عن الوزارة وكوادرها.
من هذا الأفق الذي نراه للدبلوماسية السعودية، من واجبنا جميعاً وفي ظل حجم التحديات التي تواجهها المنطقة العربية والعالم أجمع، ضرورة ترسيخ التقدير والاحترام لمكانة وزارة الخارجية وموظفيها، وإبراز ما قامت به من أدوار لخدمة بلادنا وخدمة القضايا العربية والإسلامية في المئة عاماً الماضية، مع البناء على تجارب القرن الماضي لتطوير معارف ومهارات الكادر الدبلوماسي السعودي. ومن أبرز صور التقدير الواجبة، التنبيه إلى عدم الاساءة لمقام وزارة الخارجية وكوادرها من الجاحدين المتطاولين الذين يسعون للارتقاء على أكتاف الآخرين.
فوزارة الخارجية، التي تأسست عام 1930م كأول وزارة في المملكة، ركيزة أساسية في صياغة وتنفيذ السياسة الخارجية السعودية. فمنذ نشأتها ساهمت في تعزيز العلاقات الدولية، ودعم المصالح الوطنية، والمشاركة الفاعلة في تأسيس منظمات دولية وعربية كبرى مثل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية. وقد استمرت وتنامت جهودها، منذ عام 2015م، حيث شهدت السياسة الخارجية تحولات إيجابية ملحوظة، عززت من دور المملكة في التحالفات الإقليمية والدولية، ودعمت الاستقرار في المنطقة، وواجهت التحديات المعقدة كالحرب على الإرهاب، ودعم الاستقرار في دول الجوار كاليمن، وأيضا سوريا والعراق، وليبيا، والسودان، والصومال.
وكأي مؤسسة نشطة وحيوية، قد تواجه وزارة الخارجية بعض الأخطاء أو العثرات في مسار عملها الطويل والمعقد، والذي سوف تكشفه عملية التوثيق المنشودة. ولتصحيح الأخطاء التي تواجدت في ذلك المسار وتحديثه وتطويره، يتوجب:
أولاً: تنظيم وتطوير الإطار التنظيمي لمهام وزارة الخارجية. والحرص على وضوح توزيع وتكامل الأدوار فيما بين الوزارة والمؤسسات الحكومية الأخرى وضمان التناسق وعدم الازدواجية والتداخل، وأيضا فيما بين الوكالات والإدارات المختلفة داخل الوزارة وممثليات المملكة في الخارج.
ثانياً : المحافظة على واستقرار الكوادر القيادية الوطنية ذات الخبرة الدبلوماسية الثرية. فهؤلاء المتمرسون، وليس القادمون من خارج نشاط الوزارة، هم الأقدر على نقل الخبرات، وتوجيه الأجيال الجديدة (Coaching)، واستيعاب الانتقادات البناءة، والدفاع عن طبيعة العمل الدبلوماسي وحقوق العاملين فيه، خاصة ما يتعلق باستقرار بيئة العمل وزيادة الإنتاجية؛ مما يتطلب بالمقام الأول رعاية القدرات الدبلوماسية المتمرسة والثقة بها والاعتماد عليها في إعداد وبلورة وتنفيذ خطط الوزارة الإستراتيجية للتطوير.
ثالثاً: اقرار خطط متكاملة لبناء الكادر الدبلوماسي السعودي المتميز، وذلك يبدأ من جودة اختيار الكوادر الشابة بعناية فائقة، استناداً إلى معايير دقيقة تراعي الولاء الوطني والكفاءة والقدرات، بعيدا عن المعايير غير الموضوعية. وتوفير الظروف الملائمة المستدامة لتأهيلهم واكتساب المعارف والمهارات والخبرات المطلوبة.
رابعاً: ويبرز هنا الدور المأمول من معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية خلال السنوات القادمة في استقطاب واختيار وتأهيل وادارة المسار الوظيفي للدبلوماسيين. فالمعهد يحتاج الدعم الذي يوسع ويطور دوره، حتى يضاهي أرقى المعاهد الدبلوماسية في العالم، بما يتناسب مع الدور المتزايد للمملكة إقليمياً ودولياً. وأن يكون ارتباطه بالوزارة أوثق بحيث يمثل وكالة للوزارة تشرف على شؤون ادارة الموارد البشرية ويعمل فيه كوادر من أبرز الخبرات الدبلوماسية الوطنية والعالمية المشهود لها بالتميز والكفاءة.
وهذا الدور تمارسه العديد من المعاهد الدبلوماسية التي تتولى بالنيابة عن وزارات الخارجية اختبار قدرات الكوادر الجديدة، وقياس معارفها ومهاراتها، وتحديد المسارات الوظيفية المناسبة لها بحسب أنشطة العمل الدبلوماسي المختلفة: كالنشاط القنصلي، والمراسم، والعلاقات الثنائية أو المتعددة الأطراف. وتتولى بعد ذلك على متابعة أداء العاملين وتطوير معارفهم وقدراتهم وفقا للمسار الوظيفي المحدد لكل منهم.
خامساً: من الضروري أيضاً تهيئة أفق عملي مشرق وواسع للموظف الدبلوماسي. فالشاب الذي يلتحق بالوزارة كملحق يتطلع إلى مسار وظيفي واضح يصل به إلى منصب السفير، شريطة التميز والإخلاص والمثابرة. وفي العرف المهني الذي تسنده أفضل الممارسات في تاريخ الدول، هو تمكين الموارد البشرية من داخل السلك الدبلوماسي في المناصب القيادية أوفي السفارات. هذا يساعد في توطين الموارد البشرية ويوسع الآفاق للترقي المهني والوظيفي للعاملين في منظومة العمل الدبلوماسي السعودي من أصحاب الخبرة والشغف. مع التركيز على توسيع فرص الترقية الداخلية وتوفير مرحلة انتقالية تدريبية وثقافية مناسبة للكوادر الجديدة حتى يستوعبوا (ثقافة العمل) بالوزارة.
سادساً: الاستفادة من خبرات الكوادر الدبلوماسية السابقة ضرورة لا تحتمل المساومة، فهؤلاء ثروة وطنية لا غنى عنها. يمكن لهؤلاء الخبراء - الذين ساهموا في مراحل تاريخية مهمة - أن يشاركوا في نقل المعرفة وتقديم الاستشارة، والتدريب، والبحث، والدراسات، سواء داخل المعهد أو من خلال لجان متخصصة، لنقل التجربة وتعزيز القدرات التحليلية والاستشرافية للأجيال الجديدة.
سابعاً: الحرص على بلورة برنامج متكامل يضمن للكادر الدبلوماسي الوطني حياة كريمة بعد التقاعد. فالدبلوماسيون، بسبب الاغتراب، يفقدون الفرص والامكانات للادخار وتأمين المسكن والمستوى المعيشي والرعاية الصحية المناسبين لهم ولأسرهم بعد سنوات الخدمة الطويلة متنقلين بين الدول المختلفة. فلابد من النظر إلى هذا الأمر بعناية فالتجارب المؤلمة لمعاناة هؤلاء الدبلوماسيين عديدة ومتكررة. ويخدم هذه الحاجة الإنسانية النظر في إنشاء صندوق للادخار والاستثمار حتى يوجد دخل موازي للموظف بعد التقاعد، وأيضاً يساهم في تمويل برنامج لتمليك المساكن للموظفين. ويمكن تمويله من الموظفين ومن الدولة ومن صناديق الأوقاف، وغيرها.
إن التركيز على هذه الجوانب يقدم التزاماً واضحاً بتعزيز الدور الوطني للدبلوماسية السعودية، والحرص على تطويرها المستمر، لتبقى أداة فعالة تحمي المصالح الوطنية وتعزز مكانة المملكة على الساحة الدولية، خصوصا في هذه الحقبة التي تتكشف فيها تحديات كبرى سياسية واقتصادية وأمنية تواجه بلادنا وتواجه شعوب المنطقة بعد تمدد المشروع الصهيوني واختراقه للأمن الوطني العربي واستخدامه المكشوف لدول وجماعات وعملاء نفوذ همهم وهدفهم تفكيك المجتمعات العربية.