أ.د.صالح معيض الغامدي
وإذا كان القحطاني قد أشار إلى بعض الصعوبات التي تسبب فيها بعض الأشخاص، فإنه في المقابل قد أشاد بتعامل كثير من الأشخاص الآخرين ورقيهم ومساعدتهم إياه، وشكرهم واعترف لهم بالفضل والجميل. وقد ختم القحطاني هذا الفصل بسرد بعض المواقف الغريبة والمحرجة التي واجهته أثناء حياته وعمله وبخاصة في الإذاعة، كما قام بسرد بعض تجاربه في السفر.
وعلى الرغم من أن الكاتب يذكر أنه لم يلتزم بالمنهج التاريخي التدرجي في سيرته، يقول «كما أود أن أشير إلى أمر هام، وهو أنها [السيرة] تختلف عن الرصد التاريخي كما تعوده الآخرون في السير التاريخية المتسلسلة حسب السنوات، فقد تجد حديثا سبق وآخر جاء بعده وحقه أن يكون سابقا أو لاحقا له، والسبب ارتباط الحدث بغيره من الأسباب تقديما وتأخيرا»، وأنه اعتمد المنهج الموضوعاتي أو (الثيمي)) على مستوى السيرة كاملة، فإننا لا نعدم حضور خيوط من المنهج التاريخي التدرجي داخل كل فصل من فصول السيرة الثلاثة. ومع ذلك فقد بدا لي أن من أهم المبادئ التي كانت يقود سرد تجاربه الحياتية في هذه السيرة مبدأ التداعي، تداعي التجارب والأحداث والموضوعات المتشابهة أو المتضادة، من باب « إن الشجا يبعث الشجا» الذي جعلته عنوانا لهذه القراءة.، فعادة ما يعبر عن هذا التداعي بقوله « وبما أن الشيء بالشيء يذكر…».
ولذلك فقد أدى تبني هذا المنهج الموضوعاتي في سرد سيرته الذاتية إلى ورود كثير من التكرار والإحالات الاسترجاعية والاستباقية لبعض الذكريات أو التجارب التي سبق أن سردها الكاتب أو التي سيسردها لاحقا.
على أن ضعف المنهج التاريخي التدرجي في سرد هذه السيرة قد أكسبها- وياللمفارفة- مزية بديلة وهي أنها ربما قللت من توقعات القارىء حول مضامين السيرة أثناء القراءة ورفعت درجة فضوله، وجعلته كمن يسير في غابة كثيفة لا يدري ماذا يصادف في كل انعطافة يقوم بها، وجعلته يستمر في القراءة دون ملل أو سآمة، فهو مستمتع ومستفيد حتى ينتهي من قراءة السيرة!
ومن الجوانب اللافتة في هذه السيرة أيضا روح الدعابة التي تسري فيها، وهي روح عرفناها في أحاديث الدكتور سلطان قبل أن نقرأها في سيرته المكتوبة، ويطول بنا المقام إن نحن حاولنا الاستشهاد بهذه المواطن الذي وظف فيها هذا الأسلوب، ولكن تكفينا في هذا المقال القصير هذه الإشارة السريعة.
وأخيرا فإني إن نسيت الإشارة إلى بعض تجاربه الحياتية الصعبة فلا يمكن أن أنسى الإشارة إلى حكاية التهمة الجائرة التي وجهتها إليه السيدة الإنجليزية، والتي أثرت فيه تأثيرا قويا شاب له رأسه، حقيقة وليس مجازا، كما اعترف الكاتب نفسه بذلك. ولكن الشرطة برأته من هذا التهمة بعد أن اعترفت تلك السيدة بكذبها في اتهامه.
والحقيقة أن سرد هذه القصة وتجربته المريرة معها لهي خير دليل على المصداقية والصراحة التي تتميزت بها هذه السيرة الذاتية، وسيجد القارىء في السيرة من الشواهد الأخرى الشييء الكثير الذي يعزز هذه المصداقية والصراحة في سرد تجاربه الحياتية الخاصة، والحرص على ألا يمس الآخرين بسوء، يقول في آخر سيرته « كان لزاما علي في هذه السيرة أن أذكر كل شيء ما لم يخل بالعلاقات الإنسانية للآخرين أو يكشف أسرارهم الخاصة».