كتب - د. إبراهيم جلال فضلون:
في تحليل لمنتدى الإعلام السعودي في نسخته الخامسة يمكن القول:
* أولاً: إعلام القوّة.. وقوّة الإعلام: «من يملك المعلومة يملك التأثير» - مقولة معاصرة في فلسفة الاتصال، لأنه، وكما قال الإمام علي بن أبي طالب «الكلمة أمانة»، بل ووافقه الشاعر العربي المتنبي «الرأي قبل شجاعة الشجعان»، في زمنٍ تتكاثر فيه المنصات، وتتزاحم فيه السرديات، وتتشابك فيه الخوارزميات، لم يعد السؤال: من يسبق في نقل الخبر؟ بل من يملك القدرة على تشكيل المعنى.
هكذا يمكن قراءة النسخة الخامسة من منتدى الإعلام السعودي، الذي انعقد في عاصمة الثقافة والاقتصاد ومدينة الاستثمار والسيادة «الرياض» حيثُ «الإعلام في عالم يتشكّل»، كأنه وصف لحظ في وعيٍ وطنيّ بأن الإعلام لم يعد أداة، بل أصبح بنية قوة، ومجال تنافس، وركيزة اقتصاد.. فلم يعد الإعلام ناقلاً للحدث، بل أصبح فاعلاً في صناعته ضمن بيئة عالمية سريعة التحول خلال الأعوام الخمسة الأخيرة تغيّرت خريطة التأثير الإعلامي عالمياً بفعل ثلاث متغيرات رئيسية هُم: (صعود الذكاء الاصطناعي، هيمنة المنصات الرقمية، وتحول الجمهور من متلقٍ إلى منتج محتوى). فلم تعد القوة حكراً على الجيوش أو الاقتصادات، بل باتت الكلمة، والصورة، والخوارزمية، أدوات تشكيل وعي وجغرافيا رأي عام.
* ثانيًا: العنوان ليس شعاراً بل توصيفاً لحالة عالمية. العالم يتشكل عبر إعادة توزيع القوة بين الشرق والغرب أولاً، ثُم كونه ثورة رقمية مستمرة، وأخيراً جمهوره عالمي مُتعدد المنصات، فلا يكفي أن تكون الدولة مستهلكاً للمحتوى، بل يجب أن تكون منتجاً ومصدّراً للسردية. ليكون رسالة المنتدى أن الإعلام السعودي يسعى للانتقال من مرحلة الدفاع إلى مرحلة المبادرة، وهُنا يتحول الإعلام إلى ذراع دبلوماسية موازية، تُكمل الحضور السياسي والاقتصادي للمملكة. فعندما تنتج الدولة محتوى موثقاً متعدد اللغات، فإنها تنتقل من الدفاع عن صورتها إلى صناعة صورتها.
فالمنتدى، الذي سجّل حضورًا قياسيًا بلغ 65,603 زائرين (رقم قياسي)، بزيادة أكثر من 28 % مقارنة بالدورة الرابعة، وفق موسوعة Guinness، لم يكن احتفاءً بالعدد بقدر ما كان إعلانًا عن انتقال الإعلام السعودي من موقع التفاعل إلى موقع الفعل؛ من ردّ الفعل إلى صناعة الأثر، ليتجاوز التفاعل الرقمي للوسم الرسمي للمنتدى 1.4 مليار ظهور عبر المنصات الرقمية وأكثر من 320 ألف تفاعل مباشر وبث مباشر تجاوزت مشاهداته 4 ملايين مشاهدة.
* ثالثًا: مقارنته الإقليمية والدولية: تكمن نقطة التميز: المنتدى السعودي لم يكتفِ بالنقاش الأكاديمي، بل ربط الحوار بالمبادرات التنفيذية؛ ليتفوق منتدى الإعلام السعودي من حيث عدد الزوار الإجمالي، ما يعكس اتساع الاهتمام المحلي والإقليمي. أما من حيث المحتوى، فقد ركزت المنتديات الأوروبية على حرية الصحافة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بينما جمع المنتدى السعودي بين البعد التقني والاقتصادي وصناعة التأثير الثقافي.. لما لا وقد تجاوز تسجيل المنتدى الإعلامي العربي في دبي الذي يسجل متوسط حضور يقارب 3,000 – 4,000 مشارك سنوياً، كذلك مؤتمر الإعلام العالمي في أبوظبي يتراوح حضوره بين 10,000-15,000 زائر. ومنتدى الإعلام العالمي في بون (ألمانيا) يسجل قرابة 2,000-3,000 مشارك متخصص.
* رابعًا: النمو المؤسسي في منتدى الإعلام السعودي: (حسب الجدول المرفق*)..
* خامساً: القوة الناعمة: لا تُقاس فقط بعدد المتابعين، بل بقدرة الدولة على صياغة سرديتها عالمياً، إذ كشف المنتدى عن توجه استراتيجي يقوم على ثلاث ركائز:
- الاستثمار في الإنسان: عبر الابتعاث والتدريب المتخصص.
- الاستثمار في التقنية: من خلال تبني الذكاء الاصطناعي وأدوات تحليل البيانات.
- الاستثمار في المحتوى الوطني: عبر مشاريع توثيقية وموسوعية متعددة اللغات.
* سادسًا: التأثير المحلي: ما الذي تغيّر؟.
منذ انطلاق المنتدى في نسخته الأولى خلق المنتدى مساحة تواصل مباشر بين صناع القرار والإعلاميين الشباب، ما ساهم في تسريع وتيرة التحديث:
- ارتفع عدد المبادرات الإعلامية المحلية بنسبة تفوق 40 %، وقد تم إطلاق 12 مبادرة استراتيجية لتطوير القطاع الإعلامي بالنسخة الخامسة.
- توسع الاستثمار في قطاع الإنتاج الرقمي والترفيهي. بإطلاق مشروع موسوعي رقمي متعدد اللغات، وتوسيع برنامج الابتعاث الإعلامي إلى 100 مقعد دولي.
- اعتماد وثيقة مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام رفع نسبة زيادة الشراكات بين المؤسسات الإعلامية السعودية ونظيراتها الدولية.
هذه الأرقام تعكس نمواً كمياً، لكن الأهم أنها تشير إلى تحول نوعي في طبيعة النقاش: من سؤال «كيف نغطي الحدث؟» إلى سؤال «كيف نصنع المعنى؟».
* سابعًا: التحولات الكبرى في المنتدى انصبت بأهم رباعية إعلامية وأضلع صحفية عكست إدراكنا بأن الإعلام لم يعد شأناً محلياً، بل صناعة عابرة للقارات عبر:
- الذكاء الاصطناعي والتحرير الصحفي: كيف يمكن توظيف الخوارزميات دون التضحية بالمهنية؟
- اقتصاد المؤثرين: صناعة تبلغ قيمتها عالمياً أكثر من 20 مليار دولار سنوياً.
- مصداقية الإعلام التقليدي: استعادة الثقة في ظل انتشار الأخبار الزائفة.
- التشريعات الرقمية العابرة للحدود: ضرورة التعاون الدولي لتنظيم المنصات الكبرى.
* ثامنًا: وصايا إعلامية للإعلاميين: عليكم بتبني أدوات الذكاء الاصطناعي دون التفريط في التحقق والتحرير البشري. تعزيز الصحافة التحليلية بدل الاكتفاء بالنقل الإخباري. وبناء هوية رقمية مهنية عبر المنصات الاجتماعية بدقة وحرص، وأخيراً الانفتاح على الشراكات الدولية لتوسيع نطاق التأثير والاستثمار في البيانات كأداة لصناعة القرار التحريري.
وقفة:
إن الدورة الخامسة من منتدى الإعلام السعودي، أكدت أن المملكة تدرك أن النفوذ في ق 21 يُبنى بالكلمة كما يُبنى بالاقتصاد. والرسالة الأعمق للمنتدى ليست في عدد الحضور، ولا في حجم التفاعل، بل في الوعي بأن الإعلام لم يعد مرآة.. بل أصبح مصنعاً للمعنى، ورافعة للقوة الناعمة، وجسراً نحو المستقبل.
ومن باب الحرص على إثراء المشهد الإعلامي الوطني بشكل كامل، أصبح من الضروري أن يتحول دمج الإعلاميين والكتاب المقيمين في المملكة إلى هدف عملي ضمن خطط تطوير الإعلام، ليس فقط باعتبارهم ضيوفاً عابرين، بل كشركاء فعليين، يُسهمون في صناعة التأثير بالمملكة أكثر من بلدانهم (الأُم).
فالمملكة، التي عُرفت دائماً بتعاملها الإنساني الراقي مع المقيمين، اليوم أمام فرصة لتعزيز هذا التميز إعلامياً عبر منحهم وضعاً مهنياً أوضح، وتوفير مساحات أكبر للتعبير عن آرائهم، وإشراكهم بشكل مُنتظم في الفعاليات والبرامج والهيئات الاستشارية الخاصة بالإعلام. تحسين ظروفهم المهنية، في زمن التحول، فالكلمة هي رأس المال الآني، والتقنية أداة مُستقبلية، والقيم ضمانة أخلاقية.
وهكذا فقط يتحقق المعنى العميق للعنوان: إعلام القوّة.. وقوّة الإعلام.