بقلم - فهد بن عبدالرحمن العرفج:
يُعدّ تناول الدراسات والتقارير التاريخية بالتعليق والتحليل والمراجعة من قبل الباحثين؛ ممارسةً علميةً راسخة، تُسهم في ضبط المعلومات، وتصحيح ما قد يشوبها من تعميمات أو استنتاجات ظنية، كما تساعد على التمييز بين النص الوثائقي بوصفه مصدراً أولياً، وبين القراءة التفسيرية التي يقدمها الباحث انطلاقاً من ذلك النص.
ومن هذا المنطلق، يأتي هذا التعليق على التقرير المنشور في صحيفة الجزيرة في العدد (19163) بتاريخ (30 رجب 1447هـ) للباحث الأستاذ محمد بن عبدالله آل حمد، تحت عنوان «(من خلال وثيقة مؤرخة سنة 1219هـ في عهد الدولة السعودية الأولى في ولاية الأمير عبدالله بن عفيصان)» بوصفه قراءةً نقديةً علميةً لبعض ما ورد في التقرير، دون مصادرةٍ للجهد البحثي المبذول في تناول المواضع التاريخية والأوقاف في محافظة الدلم، أو تشكيكٍ في قيمة الوثائق التي عرضها، وإنما بهدف تحرير بعض المفاهيم التاريخية والاجتماعية التي وردت في سياق التقرير خارج إطار الوثيقة - محل الدراسة - نفسها.
ولأهمية الدقة المنهجية، ولا سيما عند الانتقال من وصف المكان إلى قراءة الملكية، ثم إلى ما قد يُفهم اجتماعياً من ذلك، فقد استدعت الحاجة تقديم توضيح علمي يحرر مواضع الالتباس، ويميز بين ما تثبته الوثائق، وما يندرج في نطاق الاستنتاج أو الرواية الشفوية.
استهل الباحث تقريره بمضمون الوثيقة - محل الدراسة - ونقله للقارئ وصفاً دقيقاً، دون إخلال ببيان الوقف، ومدة الإجارة، والحدود الجغرافية من الشرق (وشيحه)، ومن الغرب (الباطن)، ومن الشمال (العرفجي)، وأسماء الشهود، وكاتب الوثيقة وخاتمها.
غير أن ضبط موقع حدّ (العرفجي) من الجهة الشمالية يظل محل نقاش علمي عند الانتقال من عرض النص الوثائقي إلى تحليله وربطه بالسياق الجغرافي والاجتماعي.
ثم إن الباحث ينتقل إلى الترجمة التاريخية للأسماء والمواضع الواردة في الوثيقة، مع الاستناد إلى مصادر تاريخية معروفة، ويُلاحظ أن هذا العرض يأتي بوصفه خلفيةً تاريخيةً تفسيرية، لا باعتباره جزءاً من مدلول النص الوثائقي نفسه؛ إذ إن الوثيقة - في حدودها النصية - تكتفي بإثبات الاسم والوظيفة والحدود والسياق الزمني المتعلق بعقد الإجارة.
ومن ثم، فإن هذا السرد التفسيري، على أهميته في الإحاطة بالسياق العام، ينبغي أن يُقرأ منفصلاً عن الدلالة الوثائقية المباشرة، وألّا يُحمّل لاحقاً بما يتجاوز ما نصّت عليه الوثيقة صراحة.
وعندما تناول الباحث لشخصية «أحمد بن راجح» الواردة في الوثيقة بوصفه مستأجر الوقف، أورد شهادة الأستاذ عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن محمد العنقري، بصفته من أعيان آل راجح، مقرراً أن «أحمد بن راجح» الوارد في الوثيقة من جماعتهم، وهي شهادة تُعد قرينة في سياق التعريف بالأسماء الواردة في الوثائق. كما تتبّع وقف (الراجحي) عبر وثائق لاحقة، وهو مسلكٌ مشروع في البحث التاريخي، متى ما جرى التنبيه إلى أن ذلك يدخل في باب الاستقراء الزمني لتصرفات الوقف.
غير أن الانتقال من توصيف وضع قانوني محدد (الاستئجار) إلى مناقشة انقطاع الواقفين، أو التساؤل عن أصل الوقف، أو ترجيح سيناريوهات تاريخية معينة، يظل قراءة تحليلية مشروعة، لكنها - من حيث الدقة العلمية - تخرج عن حدود ما تثبته الوثيقة نصاً، وتحتاج إلى فصلٍ أوضح بين الثابت الموثّق، وما هو استنتاجي.
وهذا الفصل المنهجي لا ينتقص من قيمة الجهد البحثي، بقدر ما يحفظ للنص الوثائقي دقته، ويمنع تحميله ما لم ينطق به صراحة.
ويحُمد للباحث التزامه المنهج الوثائقي الدقيق في فقرة تناوله لمسجد الحُصْين، حيث اقتصر على ما تُثبته الوثيقة من وجود المسجد وقِدم الوقف عليه، دون أن يُحمّل النص ما لا يحتمل من استنتاجات اجتماعية. وهو ما يُبرز الفارق المنهجي بين القراءة الوثائقية المنضبطة وبين المواضع التي يخرج فيها التحليل عن إطار النص إلى تعميمات تحتاج قرائن إضافية.
وعند ورود موضع (العرفجي) في التقرير، ينتقل الباحث من الوصف الوثائقي لموضع جغرافي ورد اسمه في الوثيقة إلى تقرير اجتماعي يتجاوز ما أثبته النص الوثائقي نفسه؛ فالوثيقة - لا تتجاوز في هذا الموضع ذكر حد شمالي باسم (العرفجي)، دون أي إشارة إلى الأسرة القديمة المنسوب لها الموضع أو فروعها.
كما يرد في التقرير تعميم مفاده أن «أسرة آل عرفج المعروفة في الدلم أسرة قديمة، ولا مشاركَ لهم في أسمهم، في نواحي الخرج» وهو نفي عام لا يثبت إلا باستقراء شامل أو نص تاريخي صريح، وكلاهما غير متحقق في هذا السياق. فضلاً عن أن الاشتراك أو التشابه في الأسماء أمر وارد تاريخياً. أما الجملة التقريرية القطعية المتعلقة بفروع الأسرة دون وثيقة معتبرة، فهي تمثّل تحولاً منهجياً يضعف التقرير ولا يدعمه.
ويظهر تباين واضح بين ما تنص عليه الوثيقة المؤرخة سنة 1219هـ صراحةً في تعيين حدود الوقف، وبين ما انتهى إليه التحليل من استنتاجات تركيبية؛ إذ تذكر الوثيقة الحدود الأربع دون إشارة إلى تقسيم داخلي أو تغير لاحق في المساحة، بينما اعتمد الباحث في تمثيله المكاني على قراءة معاصرة للموضع، ثم أسقطها رجعياً على زمن الوثيقة، وهو ما يستدعي التمييز المنهجي بين «تعيين الوقف كما ورد في النص الوثائقي» وبين «تطور الموضع عبر الزمن».
ويتجلى هذا الإشكال عند تناول (العرفجي) حداً شمالياً للوقف، حيث تُظهر الخريطة التفسيرية دخولاً شمالياً داخل نطاق العرفجي دون إيراد قرينة وثائقية صريحة تبرر هذا التحديد.
ويزداد هذا الإشكال وضوحاً عندما يُقر الباحث بأن أوراق الموضع شمال مسناة المصفاة - والتي في يد عدة أسر معروفة - تنص على أنها جزء من العرفجي. وبالإضافة إلى أن أملاك آل سيف تقع شرق العرفجي، وفق وثيقتين مؤرختين في ربيع الآخر سنة 1318هـ، والأخرى في رجب سنة 1338هـ، ومع ذلك ينتهي في تمثيله المكاني إلى جعل جزء من هذه الأملاك قسماً شمالياً لموضع الراجحي، بما يفهم منه تقسيم الموضع إلى قسمين شمالي وجنوبي، مما يثير تساؤلاً مشروعاً حول الأساس المنهجي المعتمد في إعادة رسم هذا الحد.
ويُلاحظ كذلك أن المنهج التحفظي الذي التزمه عند تناوله لمسجد الحُصين لم يُطبَّق بالدرجة نفسها عند مناقشة حدود موضع العرفجي، وهو تفاوت منهجي يستدعي المراجعة. وعليه فإن هذا الجزء من التقرير - على أهميته - يبقى في جانبٍ منه تفسيراً اجتهادياً يتجاوز النص الوثائقي، ولا يجوز التعامل معه بوصفه تعييناً نهائياً لحدود الوقف كما وردت في الوثيقة الأصلية. ومن بين القراءات الممكنة، ثمة قول يرى أن الحد الفاصل بين الموضعين: العرفجي والراجحي هو ما عُرف لاحقاً بـ (مسناة الحجاوي)، وهي منشأة - كما أشار الباحث نفسه - متأخرة زمنياً عن أصل الوقف. غير أن تأخر ذكر المسناة لا ينفي كونها أُنشئت ابتداءً على خط فاصل سابق بين موضعين متمايزين، ثم تغيّر اسمها ووظيفتها مع مرور الزمن، ولا سيما أن الفارق الزمني بين الوثيقتين يقارب مائةً وعشرين سنة، ويؤيد ذلك ثبوت أن المواضع الواقعة شمال هذا الخط - ومنها أملاك آل سيف - جزء من العرفجي.
وبناء عليه، فإن تمثيل أرض الراجحي جنوب مسناة الحجاوي يقدّم قراءةً أكثر تحفظاً، وأقرب إلى الجمع بين نص الوثيقة والقرائن المكانية المتراكمة، دون الحاجة إلى تقليص مساحة العرفجي أو إدخال أجزاء منه ضمن الراجحي بغير نص صريح. ويظل هذا الطرح - كسواه - اجتهاداً علمياً مفتوحاً، لكنه يسلط الضوء على أن تحديد الحدود في مثل هذه المواضع يستوجب أقصى درجات التحفظ، وعدم الاكتفاء بقراءة واحدة عند غياب النص القاطع.
كما يُلاحظ وجود تداخل في تسمية موضع (الحجاوي) إذ ورد وصف موقعه في كتاب (الدلم) للدكتور محمد بن زيد بن محمد العسكر - رحمه الله - بأنه «يقع شمال الحُصين وغرب مبنى بلدية الدلم» وهو ما يعني وقوعه شمال الطريق، أي شمال العرفجي، الأمر الذي يثير تساؤلاً حول تسمية (مسناة الحجاوي) جنوب العرفجي، ويستدعي التنبيه حرصاً على الدقة التاريخية.
وبذلك، يظهر أن وقف الراجحي لم ينقسم إلى جزئين، وإنما هو قطعة واحدة، وأن الاحتمال الذي ذهب إليه الباحث يصبح مستبعداً في ضوء ما تقدم؛ إذ يمتد (الراجحي) من الباطن غرباً، ويحاذي مسناة المصفاة شرقاً حتى موضع (وشيحه)، كما نصت الوثيقة المؤرخة سنة 1219هـ. ويُفهم من مجموع الوثائق والقرائن المكانية أن موضع (العرفجي) يحده من الشمال الطريق، ومن الجنوب مسناة المصفاة، ومن الشرق ملك آل سيف، ومن الغرب وادي تركي (الباطن).
أما اختلاف توصيف الحد الشرقي لوقف الراجحي بين الوثيقة الأقدم والوثيقة المؤرخة سنة 1366هـ التي وصفته بملك آل سيف، فلا يُفهم على أنه تعارض في تحديد الحد، بقدر ما يُفهم على أنه اختلاف في الوصف الزمني للموضع نفسه، نتيجة تعطل بعض المواضع القديمة، وانتقال تعريفها من التسمية المكانية إلى التوصيف بالملكية القائمة وقت تحرير الوثيقة الأحدث.
وعليه، فإن تقديم الوصف المتأخر بوصفه ناسخاً لما ورد في الوثيقة الأقدم، دون مناقشة هذا التحول المكاني والزماني، ينتج قراءة لا تستوفي مقتضيات المنهج الوثائقي.
وختاماً، فإن الاتفاق مع الباحث في أن سبب الخلط يعود إلى قِدم هذه المواضع وتعطلها منذ مدة، ووجود أوقاف في (العرفجي) كما هو الحال في (الراجحي)، لا يمنع من التأكيد على أن معالجة هذا الخلط لا تكون إلا بمزيد من التحفّظ المنهجي، والفصل الدقيق بين النص الوثائقي والاستنتاج التفسيري.