د. عبدالحليم موسى
في مساء هادئ داخل بيت يشبه آلاف البيوت، جلس أسامة ذو الأعوام الثمانية في زاوية غرفة المعيشة، لم يكن يبكي، ولم يكن يضحك، ولم يكن يطالب بشيء، كان هادئاً أكثر مما ينبغي لطفل في عمره، عيناه معلقتان بشاشة الهاتف، وأصابعه تنزلق فوقها بخفة آلية، كأنّها تعرف الطريق وحدها، وحينما نادته أمه باسمه أكثر من مرة، لم يجب، اقتربت منه، فلم يلتفت، كان جسده حاضراً، لكن عقله كان في مكان آخر.
أسامة ليس حالة فردية، بل صورة مكثفة لطفولة كاملة نعيشها اليوم، جيل ولد في البيوت، لكنه تربى داخل الشاشات، جيل أصبح الهاتف الذكي فيه فرداً أساسياً من العائلة، لا يسأل عن حضوره، ولا يحاسب على أثره، ولا يناقش دوره في تشكيل العقول.
في الماضي، كان صمت الطفل يثير القلق، أما اليوم فقد أصبح مدعاة للراحة، نطمئن حين ينشغل الطفل بالجوال، ونرتاح حين تختفي ضوضاؤه، دون أن ننتبه أن هذا الصمت قد يكون أول أعراض الغياب الذهني والعاطفي؛ فالطفولة التي لا تركض، ولا تخطئ، ولا تجرب، هي طفولة ناقصة، لأن التجربة وحدها هي التي تصنع الإنسان. كل طفولة بلا تعثر، بلا ملل، بلا اكتشاف، هي طفولة مؤجلة عن الحياة.
الحقيقة المؤلمة أنّ إدمان الأطفال للجوالات لم يكن قرارهم، بل قرارنا نحن؛ نحن الآباء والأمهات الذين قدمنا الهاتف باعتباره حلاً سريعاً لكل بكاء، ومسكناً فورياً لكل غضب، وبدلاً سهلاً عن الحوار والوقت. شيئاً فشيئاً، انسحبنا من دورنا التربوي، وتركنا الشاشة تؤدي المهمة، لم نفعل ذلك بدافع الإهمال، بل بدافع الإرهاق، لكن النتيجة واحدة؛ أسامة لم يُولد مدمنا، بل تعلم أنّ الهاتف هو الطريق الأقصر للانتباه، وأنّ العالم لا يفتح أبوابه إلا عبر شاشة.
ومع الوقت، بدأت آثار هذا الاعتماد تتسلل إلى طريقة تفكيره، فالعقل الذي يتعرض باستمرار لمحتوى سريع ومتلاحق يفقد قدرته على التوقف والتأمل. يصبح التركيز هشا، والصبر عبئا، والتفكير العميق مهارة نادرة. يشير عالم الأعصاب الفرنسي ميشيل ديبريه إلى أنّ الدماغ في سنواته الأولى لا ينمو بالسرعة، بل بالتجربة والتكرار، وأنّ الطفل الذي يتعلم من الشاشة يتلقى المعلومات، لكنه لا يبني المعرفة.
فجيل أسامة يستطيع أن يتجاوز مراحل لعبة إلكترونية معقدة، لكنهم يتعثرون حين يطلب منهم إنجاز مهمة بسيطة تحتاج إلى هدوء وصبر. إنه عقل نشيط، لكنه موجه نحو التلقي لا البناء، ونحو الاستجابة لا التحليل.
ولا يقف التأثير عند حدود العقل فقط، بل يمتد بصمت إلى الوجدان والأخلاق، فالطفل الذي يتشكل وعيه داخل محتوى متسارع يتعلم، من دون أن يشعر، أنّ كل شيء قابل للتجاوز، وأنّ الملل خطأ غير مسموح به، وأنّ العنف عادي، وأنّ القيم يمكن تمريرها كما نمرر المقاطع، ومع غياب الحوار الأسري، تصبح الشاشة هي المربي الخفي، تغرس ما تشاء من دون رقابة حقيقية.
أسامة يشاهد، يتأثر، ويخزن، بينما نظن أنّه مجرد يلعب؛ وكما يقول عالم الاجتماع زيغمونت باومان، إنّ العالم السائل لا يصنع عقولا ثابتة ولا قيما راسخة، بل أخلاقاً عابرة تشبه سرعة التمرير.
في المقابل، لم تنتظر بعض الدول حتى تتضخم الظاهرة، فقد أدركت مبكراً أنّ القضية ليست صراعاً مع التكنولوجيا، بل مسألة تنظيم علاقتها بالطفولة.
في فنلندا، حيث ينظر إلى التعليم بوصفه بناء إنسانياً قبل أن يكون تحصيلاً معرفياً، جرى تقليص استخدام الشاشات في سنوات الطفولة الأولى، مقابل توسيع مساحات اللعب الحر والتفاعل المباشر والطبيعة بوصفها فصلاً مفتوحاً، لم يحارب الهاتف، لكنه أجل، احتراماً لمرحلة لا تحتمل هذا الفيض الرقمي.
وفي فرنسا، حين لاحظ التربويون تراجع التركيز وارتفاع القلق السلوكي بين التلاميذ، صدر قرار بحظر الهواتف الذكية داخل المدارس حتى سن الخامسة عشرة، لم يكن القرار عقابياً، بل وقائياً، انطلق من قناعة بأنّ الطفل لا يستطيع مقاومة الإغراء الرقمي وحده، وأنّ المجتمع مطالب بحمايته من فائض ما لا يستطيع عقله الصغير تنظيمه.
أما اليابان، فاختارت طريقاً أكثر هدوءاً، فأطلقت مبادرات الصيام الرقمي الأسري، حيث تطفئ العائلات شاشاتها لساعات محددة، لا لتتعلم شيئاً جديداً، بل لتستعيد أبسط ما فقدته، الحديث، والنظر في العيون، والشعور بالآخر.
وفي كوريا الجنوبية، حيث بلغ إدمان الإنترنت مستويات مقلقة، لم يعد الأمر ينظر إليه بوصفه سلوكاً عابراً، بل بوصفه اضطراباً يستدعي العلاج؛ فقد أنشئت مراكز متخصصة لمساعدة الأطفال والمراهقين على استعادة علاقتهم بالواقع، لا عبر المنع فقط، بل عبر إعادة بناء الثقة بالنفس، وتنمية المهارات الاجتماعية التي سحبتها الشاشة بصمت.
هذه التجارب لم تنطلق من كراهية للتكنولوجيا، بل من فهم عميق لطبيعة الطفولة؛ فالطفل كما يقول عالم النفس الأمريكي جوناثان هايدت، لا يحتاج إلى عالم أسرع، بل إلى عالم أبطأ يستطيع فهمه. ويحذر المفكر الأمريكي نيكولاس كار من أنّ الاعتماد المفرط على الشاشات لا يغير عاداتنا فقط، بل يعيد تشكيل أدمغتنا، ويجعلنا أقل قدرة على التفكير العميق وأكثر ميلاً للاستهلاك الذهني السريع.
وحين ننظر إلى أسامة، ندرك أنّ هذه التحذيرات لم تعد نظرية، فالطفل الذي اعتاد على الاستجابة الفورية، يجد صعوبة في الانتظار، والطفل الذي تشكل وعيه عبر مقاطع قصيرة، يتعب من القراءة، ومن الحوار، ومن كل ما لا يمنحه مكافأة سريعة، ونحن أمام مفترق طرق فالمستقبل الذي يحذر منه العلماء ليس مستقبلاً بلا تقنية، بل مستقبلاً بلا عمق، بلا صبر، وبلا قدرة على التأمل.
وفي لحظة بسيطة داخل البيت، تنكشف المأساة كلها، حين أغلقت الأم الهاتف وقدمت لأسامة لعبة خشبية قديمة، نظر إليها باستغراب وسأل ببراءة موجعة: وأين أزرارها؟ سؤال صغير، لكنه يلخص مأزق جيل كامل تربى على أن لكل شيء زراً، ولكل متعة اختصارا، ولكل مشكلة حلاً فورياً.
السؤال الحقيقي إذن ليس كيف نمنع الجوال عن أطفالنا، بل ماذا سنعطيهم بدلاً عنه، فالطفل لا يطلب شاشة، بل يطلب حضوراً، وقتاً، إصغاء، وتجربة حقيقية يشعر فيها بأنه حي. وجيل أسامة لا يحتاج إلى تطبيق جديد، بل إلى بيت يعيد للطفولة معناها، قبل أن تتحول إلى مجرد ملف رقمي آخر.
فالهواتف لن تختفي من بيوتنا، لكن الطفولة قد تختفي... إن لم ننتبه الآن.