عبدالوهاب الفايز
تحصين النخب يبدو أنه سيكون من الأمور الضرورية لدول مجلس التعاون التي تتوسع في تطبيقات الوحدة الاقتصادية، حيث أصبحت حركة الأموال والأفراد سهلة وسريعة، والاستثمارات المشتركة تتوسع في جميع الدول، والشراكات الدولية تتوسع ثنائياً أو جماعياً في جميع الدول. وهنا نقول إن (الأمانة العامة لدول مجلس التعاون) هي الجهة التي يُفترض أن تتصدى لتوسيع الجهود لتحصين النخب.
وهذا أصبح ضرورة بعد كشف الوثائق والصور والفيديوهات المتعلقة بجيفري إبستين، فهذا الكشف لم يكن مجرد تسريبات إعلامية عابرة، بل كشفت عن شبكة نفوذ عابرة للقارات، تجمع بين المال والجنس والسياسة.
وفي قلب هذه الشبكة، ظهرت أسماء خليجية. وهذه الحادثة ليست استثناءً، بل تذكير حاد بتغيَّر عالمنا. ما كان يُعتبر في الثمانينيات والتسعينيات أمراً خاصاً أو صداقة تجارية أصبح اليوم ملفاً عاماً يُستخدم للابتزاز الرقمي أو الضغط الجيوسياسي. وهنا يبرز مفهوم (تحصين النخب) الذي طوَّرته دول كثيرة خلال العقدين الماضيين: وهذا ليس قيوداً على حرية الأفراد وتدخلا في شؤونهم الخاصة، بل درع أمني لحماية النخب من الثغرات التي قد تُستغل للتأثير على الدولة نفسها.
وتحصين النخب -كما هو معروف- هو مجموعة من السياسات الوقائية الهادفة إلى تقليل المخاطر الشخصية والمؤسسية للقادة والمسؤولين في المناصب الحساسة. تشمل هذه السياسات قواعد إفصاح إلزامية عن اللقاءات الخاصة، مراجعة للعلاقات المحتملة ذات الحساسية، وبرامج توعية مستمرة بمخاطر العصر الرقمي. ليست هذه السياسات جديدة تماماً؛ فالولايات المتحدة تطبِّق منذ عقود «قوانين الإفصاح المالي» للمسؤولين الحكوميين، و»فحص الخلفيات» (vetting) للمرشحين للمناصب العليا، بينما تفرض الصين نظاماً حزبياً صارماً يراقب حتى الحياة الشخصية للنخب. وهذا يفسر الحالات المستمرة التي نسمع عنها في الصين لتطهير الحزب وأجهزة الدولة، والمجموعات التجارية والصناعية.
في أوروبا، أدت إفصاحات إبستين الأخيرة إلى تحقيقات في بريطانيا وفرنسا، وخسائر وظيفية لشخصيات مثل بيتر ماندلسون، السفير البريطاني السابق في واشنطن.
لذا في الخليج، فالأمر أكثر إلحاحاً بسبب الانفتاح الاقتصادي، وتوسع الاستثمارات الضخمة في الرياضة والترفيه. هذا الانفتاح قد يعرِّض النخب لدوائر دولية مليئة بـ(الفخاخ) (honey traps) المهنية من مخابرات، جماعات مصالح، أو مجرمين محترفين، أو عصابات دعارة ومخدرات.
الانفتاح الاقتصادي الواسع يجعل دول الخليج أكثر عرضة اليوم لهذه المخاطر على النخب القائدة، فالكيانات التجارية الخليجية تعمل مع شركات عالمية، والمشاريع الترفيهية، والسياحة الفاخرة تفتح أبواباً لـ(الصداقات) السريعة التي قد تكون فخاخاً. ثانياً، مع توسع الرقمنة، الهواتف الذكية والبريد الإلكتروني جعلت الخصوصية وهماً. وهناك أيضا أمر مهم: المنافسة الجيوسياسية جعلت المنطقة ساحة للصراع بين القوى الكبرى، والابتزاز أداة رخيصة وفعالة للتأثير على قرارات استثمارية أو سياسية. وأكبر خطر على المنطقة هو خطر الصهاينة الذين يحلمون بمشروع إسرائيل الكبرى!
الدول الغربية تعلمت الدرس منذ زمن بعيد؛ ففي الولايات المتحدة، تُفرض على المسؤولين افصاحات سنوية عن الهدايا والسفريات. أما الخليج، فيستطيع بناء نموذج خاص به يحافظ على الثقافة الخليجية والثقة الشخصية.
وتحصين النخب قد يتم عبر خطوات عملية معروفة ومطبقة، ومنها:
1 - قواعد إفصاح إلزامية ودقيقة للمسؤولين في المناصب العليا (وزراء، رؤساء، مدراء في القطاعات الحيوية)، توجب الإبلاغ عن اللقاءات الخاصة مع أجانب، الهدايا فوق حد معين، والرحلات غير الرسمية. هذا الإفصاح يكون لجهة داخلية موثوقة سيادية مثل هيئات مكافحة الفساد الموسَّعة، وغيرها.
2 - مراجعة المخاطر الاستباقية عبر إنشاء فرق صغيرة متخصصة (غير بيروقراطية) تقيِّم الشراكات الجديدة، خاصة مع شخصيات «رمادية» في عالم المال والسياسة. هذا مهم حتى نكتشف الخطر مبكرا.
3 - تصميم برامج تدريبية سنوية للنخب في أدبيات ومقومات الأمن الوطني، مع التركيز على التعرف على علامات الابتزاز الرقمي، مخاطر «الصداقات» السريعة، وأهمية الأمن السيبراني الشخصي.
4 - تبني سياسات الحماية الرقمية والشخصية المتطورة عبر تكوين فرق أمنية متخصصة في الدفاع الرقمي الشخصي (حذف البيانات، مراقبة التسريبات، تأمين الأجهزة). لقد أصبح التعامل مع إدارة الثروة أمرا مغريا وجذابا، وقد يجعل النخب أهدافاً، فالحماية يجب أن تكون استباقية لا رد فعل. كما قلنا هذه السياسات ليست تقييداً للحركة، بل لتقليل المساحات الضعيفة التي تتسلل منها الضغوط.
وهذه الإجراءات ليست خيارا مفتوحا للموافقات الشخصية، بل يجب أن تكون (إلزامية) وجزءا من حوكمة صارمة حتى نحمي أمننا الوطني.
دول الخليج اليوم أقوى وأكثر انفتاحاً من أي وقت مضى. والقوة تتطلَّب حصانة.
تحصين النخب ليس تقليصاً للحريات، بل استثمار في الاستقرار الوطني.
الدول التي تتجاهل هذا الدرس سوف تدفع الثمن في فضائح مفاجئة تُضعف الثقة الداخلية والخارجية. أما الدول التي تُطبِّقه بهدوء وذكاء، فستكون أكثر أماناً في عالم أصبح فيه كل شيء «ملفاً عاماً» محتملاً.
ونطالب بسرعة الاهتمام بهذا الأمر في دول الخليج لأن قضية إبستين - بغض النظر عن تفاصيلها - تقدم الآن درسًا عالميًا: النخب العابرة للحدود، وشبكات المال والعلاقات الخاصة، يمكن أن تتحول بسرعة إلى ثغرة أمنية إذا لم تكن محكومة بضوابط صارمة. لذا التحدي الحقيقي يبرز في ضرورة بناء منظومات أمنية وأخلاقية ونظامية تجعل أي محاولة للابتزاز أو الاختراق عديمة الجدوى.
إن قضية جيفري إبستين لم تكن مجرد ملف جنائي يتعلق بشخص متهم بجرائم استغلال جنسي لقاصرات، بل تحولت في الغرب إلى زلزال أخلاقي وسياسي وإعلامي يضرب الثقة في المؤسسات السيادية للدول وفي النظم السياسية. وأيضا يفتح الفضاء العام لطرح أسئلة كبرى حول النفوذ، والعدالة، وحدود المساءلة عندما يتعلق الأمر بالنخب.
في الولايات المتحدة وأوروبا يسود شعور واسع بأن النظام القانوني يتساهل مع الأثرياء وذوي العلاقات. والناس يتساءلون: كيف استطاع شخص بهذه الشبكة من المعارف أن يفلت لسنوات من العقاب؟ ولماذا بدت بعض التحقيقات بطيئة أو محدودة؟
هذا الشعور غذّى قناعة - لدى الشعوب الغربية - بأن هناك عدالتين: واحدة للناس العاديين، وأخرى لأصحاب المال والسلطة.
أمر إوبستين عظيم، والقضية تجعل الشعوب الغربية تطرح الأسئلة الوجودية الكبرى: هل يمكن للديمقراطيات الليبرالية أن تحاسب الأقوياء فعلًا، أم أن شبكات النفوذ ومصالح الرأسمالية المتوحشة قادرة دائمًا على حماية نفسها؟
إذاً، هم يتناطحون حول هذه الأمور.. علينا الالتفات إلى وضعنا الداخلي حتى لا يصدروا لنا أزماتهم، ويشقوا صفنا. المهم تحصين نخبنا الخليجية.. وهذا الأمر بيدنا ونقدر عليه.