أحمد آدم
في مقال سابق تحت عنوان «إعجاز القرآن الكريم لا يتوقف - يونيو 2025»، تناولت كيف استوعبت الآية الكريمة (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) أحدث التغيرات الجيولوجية والمناخية التي يشهدها كوكبنا اليوم، من تآكل للسواحل وغرق للجزر وكيف أن لفظ (أطرافها) كان إعجازاً لغوياً وعلمياً وصف بدقة ما عجزت عنه التفسيرات التقليدية في حينها.
واليوم ونحن نعيش في فبراير 2026، ومع توالي الكشوفات الأثرية واستخدام الأشعة الكونية لتفكيك ألغاز (الأهرامات) نجد أنفسنا أمام حقيقة قرآنية تؤكد أن هذا الكتاب لا تنقضي عجائبه. فبينما يضرب العلم أخماساً في أسداس حول كيفية رفع وتشكيل أحجار الأهرامات الصماء، نجد أن السر كان مكنوناً في كلمة واحدة نطقت بها آيات سورة القصص قبل أربعة عشر قرناً لتكشف لنا ليس فقط (كيف) بنيت، بل (بماذا) بُنيت.
أهرامات الجيزة الثلاثة خوفو، خفرع، منقرع لم يتم «اكتشافها» بالمعنى التقليدي للكلمة (أي العثور عليها بعد ضياعها)؛ لأنها ظلت مرئية بوضوح وشاخصة للعيان منذ بنائها في عصر الأسرة الرابعة (من حوالي 2589-2504 قبل الميلاد) وحتى يومنا هذا. ومع ذلك ارتبط مصطلح «الاكتشاف» تاريخياً بسلسلة من عمليات فتح الممرات والتنقيب الأثري الحديث التي كشفت عن أسرارها الداخلية. وأبرز محطاتها تمثل في:
1 - الاستكشافات القديمة والوسطى: *هيرودوت (445 ق.م): زار المنطقة وكتب عنها مما يؤكد أنها كانت معروفة ومفتوحة جزئياً في العصور القديمة.
** الخليفة المأمون (820 م): قام بفتح «مدخل المأمون» الشهير في الهرم الأكبر بحثاً عن الكنوز وهو المدخل الذي يستخدمه السياح اليوم.
*** الفتح في عهد المماليك (1372 م): تشير السجلات إلى فتح هرم خفرع في هذا التاريخ حيث وُجدت كتابات عربية على جدران غرفة الدفن.
2 - عصر الاكتشافات الأثرية الحديثة (القرن 19): شهد هذا القرن أولى الحفريات العلمية المنظمة ونجحت البعثات العلمية خلال هذا القرن في تحقيق اكتشافات تتعلق بالأهرامات الثلاثة.
* هرم خفرع (1818 م): نجح الإيطالي جيوفاني بيلزوني في إعادة اكتشاف المدخل الأصلي ودخول غرفة الدفن في 2 مارس 1818.
** هرم منقرع (1837 م): اكتشف الضابط البريطاني هوارد فايس المدخل الأصلي للهرم وعثر بداخله على تابوت خشبي يحمل اسم الملك منقرع.
*** تحديد هوية باني الهرم الأكبر (1830م): عثر علماء بريطانيون على نقوش لعمال تشير صراحة إلى أن الهرم يعود للملك خوفو.
كما كانت هناك اكتشافات مهمة ملحقة بالأهرامات الثلاثة تمت أيضاً في القرن التاسع عشر والعشرين وتمثلت في:
* تمثال أبو الهول: ظل مغطى بالرمال حتى رقبته لفترات طويلة وتم التنقيب عنه بالكامل في مراحل مختلفة من القرن التاسع عشر والقرن العشرين.
** مراكب خوفو (1954 م): اكتشف الأثري المصري كمال الملاخ مركبي الشمس بجوار الهرم الأكبر وهو أحد أهم الاكتشافات في القرن العشرين.
كيفية بناء الأهرامات نفسها مثلت لغزاً كبيراً استعصى على فهم الباحثين والمكتشفين فقد بُذلت جهود علمية وأثرية واسعة على مر العصور باستخدام تقنيات تتراوح من التنقيب التقليدي إلى المسح بالأشعة الكونية لمحاولة فك لغز بناء الأهرامات. ونلخص أبرزها في:
1 - الدراسات التقنية والفيزيائية الحديثة:
- مشروع مسح الأهرامات: انطلق في عام 2015 باستخدام تقنيات غير جراحية مثل تصوير الميونات (جسيمات فضائية تخترق الحجارة) والمسح الحراري بالأشعة تحت الحمراء. أسفر المشروع عن اكتشاف «فراغ كبير» بحجم طائرة داخل الهرم الأكبر، مما يساعد في فهم البنية الداخلية وكيفية توزيع الأحمال أثناء البناء.
- المحاكاة ثلاثية الأبعاد: استُخدمت تقنيات إعادة البناء الرقمي لاختبار فرضيات الرفع الميكانيكي، مثل استخدام أنظمة البكرات والثقل الموازن الداخلي لتفسير تفاوت ارتفاعات الكتل الحجرية.
2 - الاكتشافات الأثرية الميدانية:
- بردية وادي الجرف: اكتشاف بردية «ميرير» التي تُعد أقدم وثيقة مكتوبة تصف نظام العمل اليومي للعمال الذين نقلوا أحجار الكساء الأبيض من طرة إلى الجيزة عبر نهر النيل.
- نظام المنحدرات (الطرق الصاعدة): كشفت الحفائر عن وجود بقايا منحدرات مبنية من الطوب والطين كانت تُستخدم لرفع الأحجار الضخمة. كما اقترحت دراسات حديثة استخدام «الرفع الهيدروليكي» عبر قنوات مائية لنقل الحجارة في بعض الأهرامات مثل هرم زوسر.
3 - النظريات الهندسية والرياضية:
- نقل الأحجار: ترجح الأدلة العلمية أن المصريين سحبوا الحجارة على زحافات خشبية فوق رمال مبللة لتقليل الاحتكاك، مع استخدام جذوع نخل تحتها تعمل كعجلات بدائية.
- الهندسة الفلكية: ركزت بعض الدراسات على دقة زوايا الهرم وارتباط موقعه بالنجوم (مثل نظرية ارتباط الجبار)، مما يعكس معرفة متقدمة بالرياضيات والفلك.
مع ضرورة الإشارة إلى:
- أن الاكتشافات في «مقابر العمال» أثبتت أن بناة الأهرامات كانوا عمالاً مصريين محترفين ومأجورين وليسوا عبيداً أو كائنات فضائية كما زعمت بعض النظريات الهامشية.
- لم تؤكد أي جهة علمية رسمية حتى الآن اكتشاف «السر الكامل» لبناء الأهرامات ولكن هناك اكتشافات حديثة خلال عامي 2024 و2025 قدمت تفسيرات علمية قوية لبعض الألغاز اللوجستية والهندسية أهمها دراسة من جامعة «نورث كارولينا ويلمنجتون» كشفت عن وجود فرع جاف لنهر النيل (أطلق عليه اسم الأهرامات) كان يمر بجانب 31 هرماً. هذا الاكتشاف يفسر كيفية نقل الحجارة الضخمة والمواد عبر المياه بدلاً من السحب البري الشاق.
- لا تزال بعض الدراسات تقترح نظريات مثل «الرفع الهيدروليكي» لنقل الأحجار لكنها تظل فرضيات علمية وليست حقائق مؤكدة بالإجماع . العلم يقترب من فهم «كيفية» التنفيذ اللوجستي (مثل النقل عبر النيل) لكن أسرار الهندسة الدقيقة والقرار النهائي بشأن الغرف المخفية لا تزال قيد البحث.
لقرون طويلة كان الاعتقاد السائد أن الأهرامات بنيت من أحجار طبيعية مقطوعة ومنحوتة فقط. لكن في العقود الأخيرة بدأت نظريات علمية قوية مثل نظرية البروفيسور الفرنسي جوزيف دافيدوفيتس تقترح أن أجزاء كبيرة من أحجار الأهرامات، وخاصة في الارتفاعات العالية صُبت في قوالب باستخدام طين حراري تمت معالجته كيميائياً وحرارياً ليشبه الحجر الطبيعي تماماً.