د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
لم يعُد عزوفُ بعض الشباب عن الزواج مسألة عارضة تُفسَّر بغلاء المهور أو صعوبة المعيشة فحسب، بل تحوّل عند فئة منهم إلى حالة ذهنية مستقرة، تُبرَّر دائمًا بعبارة واحدة تتكرر بلا مراجعة: «الظروف لا تسمح».
عبارة تُقال بثقة، لكنها في كثير من الأحيان لا تعبّر عن واقع قاهر، بقدر ما تعبّر عن قرار مؤجَّل، أو رغبة في تأجيل تحمّل المسؤولية.
ولا شك أن واقع الحياة اليوم أكثر تعقيدًا من السابق، وأن هناك شبابًا يواجهون ظروفًا حقيقية من قلة دخل، أو عدم استقرار وظيفي، أو التزامات أسرية سابقة، وهذه حالات ينبغي التفريق بينها وبين غيرها.
لكن الإشكال الحقيقي يظهر حين تُستخدم «الظروف» استخدامًا عامًا ومطلقًا، حتى عند من لا يعانون عجزًا حقيقيًا، بل يعيشون نمطًا استهلاكيًا مرتفعًا لا ينسجم مع خطاب الشكوى.
فمن المفارقات اللافتة أن عددًا من الشباب الذين يؤجلون الزواج بحجة الظروف يصرفون شهريًا على الترفيه والسفر والمطاعم والكماليات والمظاهر الاجتماعية ما قد يعادل - أو يفوق - ما ينفقه كثير من المتزوجين على بيوتهم وأسرهم. وهنا يفرض الواقع سؤالًا صريحًا لا يصح تجاهله:
هل المشكلة في المال ذاته؟ أم في الرغبة في الاستمرار بحياة بلا التزامات ثابتة؟
إن الهروب من الزواج في هذه الصورة ليس هروبًا من النفقة، بل من تبعات القرار؛ من الالتزام، والمشاركة، وتحمل مسؤولية يومية لا يمكن تأجيلها أو الانسحاب منها.
فبعض الشباب لا يرفض الزواج لأنه لا يستطيع، بل لأنه لا يريد أن يغيّر نمط حياته، ولا أن يتنازل عن مساحات الراحة المطلقة، ولا أن ينتقل من «أنا» إلى «نحن».
وتتفاقم هذه المشكلة حين لا يقتصر التزهيد في الزواج على المترددين فحسب، بل يمتد ليطال الراغبين في إحياء هذه السنة، عبر السخرية الاجتماعية، أو التشكيك في قراراتهم، أو تصوير الزواج وكأنه مغامرة خاسرة لا يُقدم عليها إلا متهور.
وتزداد الكارثة حين تُضخَّم قصص الطلاق والخلع، وتُتداول خارج سياقها، وتُروى بوصفها القاعدة لا الاستثناء، حتى تتحول إلى أداة تخويف جماعي، لا مادة وعي وإصلاح.
ولا شك أن حالات الطلاق والخلع موجودة، وهي ظواهر تحتاج إلى معالجة جادة، لكن اختزال صورة الزواج فيها ظلم للواقع، ومصادمة للمنهج الشرعي الذي جعل الزواج أصلًا، والطلاق استثناءً عند تعذر الاستمرار. إن تضخيم الفشل، والسخرية من المحاولات الناجحة، وإضعاف الثقة بسنة عظيمة، كل ذلك يساهم في صناعة حاجز نفسي يمنع الإقدام قبل أي حسابات مالية.
وقد ساهمت الثقافة الاستهلاكية المعاصرة في تعميق هذا التزهيد، حين رفعت سقف التوقعات، وربطت الزواج بصورة مثالية مكلفة، وجعلت الاستقرار مؤجلًا إلى حين اكتمال شروط قد لا تجتمع. فتحوّل الزواج من كونه بداية بناء، إلى كونه محطة مؤجلة لما بعد الاكتمال، مع أن الاكتمال ذاته لا يتحقق غالبًا إلا بالزواج.
والإسلام حين دعا إلى الزواج لم يربطه بوفرة مالية مطلقة، ولا بحياة بلا أعباء، بل قدّمه بوصفه بابًا للسكن والطمأنينة.
قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا}، فجعل السكن مقصدًا، لا رفاهية.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشرَ الشبابِ، من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج»،
والاستطاعة هنا لا تعني الكمال ولا الترف، بل القدرة المعقولة مع الاستعداد النفسي لتحمّل المسؤولية، وهو جانب كثيرًا ما يُغفَل في خطاب «الظروف».
إن أخطر ما في هذا التأجيل المستمر أنه يُكسى لباس العقلانية، بينما هو في حقيقته نوع من الهروب الهادئ؛ هروب بلا ضجيج، لكنه يخلّف آثارًا عميقة؛ تأخرًا في الاستقرار النفسي، واضطرابًا في التوازن الاجتماعي، واتساعًا لمساحات الفراغ العاطفي، وظهور بدائل لا تحقق المقصد الشرعي ولا الاجتماعي.
ومع ذلك، لا يجوز التعميم، ولا تحميل الجميع حكمًا واحدًا؛ فثمة شباب حالت ظروفهم القاهرة دون الزواج، وهؤلاء أولى بالتيسير والدعم. لكن الخلط بين العذر الحقيقي والذريعة المصنوعة، وبين النقد الهادف والتزهيد المضر، هو ما يحتاج إلى وقفة صادقة، ومصارحة هادئة مع الذات قبل المجتمع.
وقد وعد الله تعالى من أقبل على الزواج طلبًا للعفاف بالكفاية، فقال سبحانه: {إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، وهو وعد يعيد ترتيب العلاقة بين الرزق والزواج، ويؤكد أن الخوف من المستقبل لا ينبغي أن يكون سببًا لتعطيل سنن الاستقرار.
ختامًا:
إن المشكلة اليوم لا تكمن في «الظروف» وحدها، بل في مناخ عام يهوِّن من الزواج، ويضخِّم الفشل، ويسخر من الراغبين في إحياء سنة عظيمة. فالزواج لا يحتاج إلى خطاب تخويف، بل إلى خطاب وعي، ولا يحتاج إلى مثالية زائفة، بل إلى شجاعة صادقة.
وحين يُعاد الاعتبار لقيمة المسؤولية، وتُحترم خيارات الراغبين في الاستقرار، وتسقط ثقافة السخرية والتزهيد، يصبح الزواج قرارًا طبيعيًا لا مغامرة مخيفة، وبداية بناء لا قصة فشل متوقعة.