خالد بن عبدالرحمن الذييب
بداية، كل عام وأنتم بخير، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وأعاننا الله وإياكم على صيام هذا الشهر الفضيل وقيامه، وجعلنا ممن يخرجون منه بالعفو والمغفرة.
مع إطلالة الشهر المبارك، نلحظ تحولاً ملموساً عند البعض في السلوك الإنساني، وكأنه يبعث في النفوس سكينة تهذب الأخلاق وترتقي بالطباع. وفي هذا المشهد الرمضاني، نجد الناس على مراتب؛ فمنهم من يجعل من الشهر بوابة عبور نحو التغيير الشامل، فيتخلى عن عادات سيئة لازمتْه طويلاً، محولاً الصيام من مجرد إمساك عن الطعام إلى إمساك عن الخطايا، وهذا مسلك نبيل. وهناك فئة أخرى تجعل من رمضان فرصة للاستزادة من النور، فتراهم يحافظون على الفرائض ويزيدون عليها بالنوافل والسنن وقراءة القرآن، وهو ارتقاء محمود يعكس شغف المؤمن برضا ربه. إلا أن الجدل يُثار عادة حول فئة ثالثة تتعمَّد هجر العادات السيئة في رمضان إجلالاً له، ثم يعودون إليها بمجرد انقضاء الشهر. هؤلاء يواجهون نقداً لاذعاً من البعض، تحت ذريعة أن «رب رمضان هو رب شوال»، متهمين إياهم بالتناقض أو ضعف اليقين.
إن فلسفة «احترام الزمان» لا تختلف في جوهرها عن «احترام المكان». فكلنا يُجمع على أن للحرم المكي الشريف قدسية مطلقة تفرض على الداخل إليه نمطاً من الوقار، فيمتنع المرء عن سلوكيات قد يمارسها خارجه ليس نفاقاً، بل إجلالاً وتوقيراً لبيت الله. ومع أن ربَّ الحرم هو نفسه ربُّ ما خارجه، إلا أننا نراعي قدسية المكان. فلماذا لا نسحب هذا المنطق على «الزمان المقدس»؟ إن من يترك عادة تجرح حرمة رمضان هو في الحقيقة يمارس «أدباً مع الله»، ويثبت أن في قلبه بقية من تعظيم لما عظَّمه الخالق، وهذا الاحترام المؤقت قد يكون هو البذرة التي تثمر تحسناً دائماٌ في المستقبل.
ومع ذلك، يجب أن نضع خطاً فاصلاً بين «العادات واللمم» وبين «أركان الدين»؛ فمن يلتزم بالصلاة في رمضان فقط ليهجرها بعده، يضع نفسه في مأزق عقدي يتجاوز فكرة احترام الزمان إلى دائرة التفريط في أصل العبادة، وهي مصيبة كبرى تتطلب وقفة حازمة مع الذات. إننا لا ندعي الكمال أبداً، ولكن كما نقدس المكان، وجب علينا أن ندرك أن للزمان أيضاً قدسية لا تنتهك.
أخيرا ً...
العبادة ليست حبيسة الأزمان، لكن الأزمان المباركة هي فرص لصناعة إنسان جديد..
ما بعد أخيراً...
احترام الزمان، خطوة في رحلة الألف ميل للتحسُّن.