سارة الشهري
لم تعد البيانات في وقتنا الحالي مجرد أرقام متراكمة في قواعد معلومات مغلقة، بل أصبحت لغة العصر ومحرك القرار الأول. فمع التسارع الرقمي الهائل، ظهرت البيانات الضخمة بوصفها مورداً إستراتيجياً لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية، لما تحمله من قدرة على قراءة الواقع والتنبؤ بالمستقبل.
غير أن هذا الكم الهائل من البيانات لا يمكن الاستفادة منه دون أدوات قادرة على فهمه وتحليله، وهنا يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه العقل الذي يحوّل البيانات من مادة خام إلى معرفة ذات قيمة. فمن خلال تقنيات التعلُّم الآلي وتحليل الأنماط، يستطيع الذكاء الاصطناعي استخلاص رؤى دقيقة تسهم في تحسين الأداء ورفع جودة القرارات في مختلف القطاعات.
وفي المملكة العربية السعودية، يتجسَّد هذا التوجه بشكل عملي من خلال سدايا، التي تمثِّل النموذج الوطني لإدارة البيانات الضخمة وتوظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة التنمية. فقد أُنشئت سدايا لتكون المرجع الوطني للبيانات، والمسؤولة عن تنظيمها وحوكمتها، وضمان استخدامها بكفاءة وأمان.
تلعب سدايا دوراً محورياً في تمكين الجهات الحكومية من الاستفادة من البيانات الضخمة عبر منصات وطنية مثل بنك البيانات الوطني، ما يسهم في تحسين الخدمات، ودعم صنَّاع القرار، وتعزيز الابتكار. كما تعمل على تطوير السياسات التي توازن بين استثمار البيانات وحماية الخصوصية، في ظل التحديات الأخلاقية المتزايدة المرتبطة بهذا المجال.
إن العلاقة بين البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي علاقة تكامل لا انفصال، فالبيانات تمنح الذكاء الاصطناعي القدرة على التعلُّم، والذكاء الاصطناعي يمنح البيانات المعنى والقيمة. ومع وجود جهات تنظيمية مثل سدايا، يصبح هذا التكامل أكثر نضجاً وانضباطاً، بما يضمن أن يكون التطور التقني في خدمة الإنسان لا على حسابه.
وفي خضم هذا التحول، يبقى الرهان الحقيقي على كيفية إدارة هذه الثروة الرقمية. فالمستقبل لن يكون للأكثر امتلاكاً للبيانات، بل للأقدر على فهمها وتوظيفها بذكاء ومسؤولية.