د. عبدالله علي بانخر
يأتي تقرير حالة المحتوى بالاهتمامات الإعلامية للمجتمع السعودي لعام 2024، والصادر مؤخرًا عن الهيئة العامة لتنظيم الإعلام في المملكة العربية السعودية، في توقيت بالغ الأهمية يسبق موسم الذروة الرمضانية؛ حيث تتقاطع رهانات الصناعة الإعلامية مع تحولات الذائقة العامة وتتسارع قوى الاستهلاك الرقمي. وتسعى هذه القراءة السريعة والمدعومة بالأرقام في تقديم فهم أدق لكيفية وصول الرسائل الإعلامية إلى الجمهور، وأين تترك أثرها الأعمق. تؤكد النتائج أن شبكات التواصل الاجتماعي تتصدر مصادر متابعة الأخبار والقضايا العامة لدى الجمهور، بينما يأتي التلفزيون في المرتبة الثانية، تليه الإذاعة والصحافة بفارق ملحوظ رغم أهميتهما. ويعكس ذلك تكاملاً وظيفياً واضحاً: المنصات الرقمية تمنح سرعة الوصول وانتشار المعلومة، في حين يحتفظ التلفزيون والصحف بدورهما في التحليل والتفسير وصياغة السرديات المتماسكة ذات المصداقية الأعلى والموثوقية الأدق. وفي المحتوى الترفيهي، تتصدر المسلسلات الدرامية قائمة الأكثر مشاهدة بنسبة 42%، مقابل 7% فقط لمسلسلات الخيال العلمي. كما يبدي 60% من الجمهور اهتماماً بمتابعة الأفلام السينمائية. وعلى مستوى السلوك الاستهلاكي، تبلغ نسبة المشتركين في الخدمات الترفيهية المدفوعة 68%، بمتوسط إنفاق شهري يصل إلى 94 ريالاً. وتسجل أعلى نسبة مشاهدة لمنصة ترفيهية واحدة 80%، مقابل 12% كأدنى نسبة.
أما أولويات الاهتمام الإخباري فتؤكد مركزية القضايا القريبة من حياة الناس؛ إذ يتصدر الشأن المحلي السعودي بنسبة 84%، تليه القضايا المرتبطة بمكان الإقامة بنسبة 82%. وتأتي الشؤون العربية والبيئة والطقس بنسبة 76% لكل منهما، ثم الشؤون الدولية بنسبة 72%، فالاقتصاد 69%، والثقافة 68%، والرياضة 67%، والفنون 60%، فيما تسجل الألعاب الإلكترونية أدنى مستوى اهتمام عند 38% خصوصاً في الفئات العمرية الشابة.
وتشير البيانات إلى اتساع أثر مؤثّري شبكات التواصل الاجتماعي؛ إذ أفاد 58% من الجمهور بمتابعتهم للحصول على الأخبار أو المعلومات أو الآراء، مقابل 42% لا يتابعونهم. وفي سوق الإعلانات، يحظى مجال السفر والسياحة بأعلى متابعة بنسبة 25%، بينما يأتي مجال الأزياء والموضة في أدنى المستويات بنسبة 9%. وعلى صعيد الثقة، يحوز الإعلام السعودي الرسمي تقييماً أعلى؛ إذ يراه 80% من الجمهور عالياً في الصدق و74% عالياً في سرعة متابعة الأحداث، مقابل 69% للإعلام السعودي الخاص في كل من المصداقية وسرعة التغطية.
إن أهمية هذه التقارير لا تقتصر على عرض المؤشرات، بل تمتد إلى تمكين الاستثمار في الإبداع الإعلامي على أسس علمية. وفهم أنماط الاستهلاك وأولويات الاهتمام يوجِّه المنتجين والمستثمرين إلى تطوير محتوى محلي تنافسي، ويعزِّز كفاءة توجيه الموارد نحو القطاعات الأعلى تأثيراً وعائداً، خصوصاً في المواسم عالية الكثافة مثل الموسم الرمضاني الذي يمثِّل مختبراً سنوياً لقياس جودة الإنتاج وفاعلية الرسائل.
وقبيل دخول فترة الذروة، تبدو هذه القراءة بمثابة بوصلة عملية للمؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والمنصات الرقمية لبناء إستراتيجيات تحريرية واستثمارية أكثر دقة وفاعلية، تعكس نبض الجمهور وتواكب تحوّلاته. وختاماً، أتقدَّم بجزيل الشكر والتقدير لكل من أسهم في إعداد هذه المعلومات القيِّمة التي تدعم مسار الإعلام السعودي المتسارع، وأخصُّ بالشكر شركة لومينا سباير الشركة المنفِّذة لهذا التقرير، مع الأمل في استدامة إصدار تقارير دورية واستباقية -أو على الأقل متزامنة مع المواسم الإعلامية- بما يسهم في رفع كفاءة التخطيط الإعلامي وتعظيم أثر الاستثمار في الإبداع والمحتوى الوطني.