د. سامي بن عبدالله الدبيخي
في زمن تتسابق فيه المدن نحو التوسع العمراني، وتُمحى فيه معالم الطبيعة تحت بريق الإسمنت والزجاج، تبرز منطقة وادي صفار في الرياض بتضاريسها المميزة كقصة استثنائية تستحق أن تُروى، حيث تحولت فيها الجبال من عقبة تخطيطية محتملة إلى بصمة عمرانية فارقة، رسمت شخصية المكان وأضفت عليه هوية لا تُنسى.
فرغم وجود وادي صفار في مدينة تنبض بالحداثة، فإن طرقها تنحني باحترام أمام التضاريس الجبلية، وترتفع مبانيها في تناغم مع القمم الصخرية لتبدو كجزء أصيل من مشهدها الطبيعي. عملية التطوير والبناء فيها لا تقاوم الطبيعة، بل تحتضنها وتجاريها، حيث لم تكتفِ بالحفاظ على الجبال، بل جعلتها محور التخطيط، فتوزعت المباني على المنحدرات بعناية، وانسابت الطرقات بين التكوينات الصخرية، والتفت المساحات الخضراء حول القمم، فجاءت النتيجة مشروعًا يتنفس بإيقاع الواحات ويحمل روح الجبل.
إن الحفاظ على جبال منطقة ما لا يعني حماية الصخور فحسب بل حفاظ على هويتها وإبراز لها أمام الجميع. فالجبال تمنح المكان ملامح لا يمكن تكرارها، وتخلق مشاهد بصرية تُحفر في الذاكرة. وادي صفار اليوم يملك ما لا تملكه أحياء كثيرة، شخصية واضحة وطابعاً لا يُستنسخ. فالمدن العظيمة لا تُعمر فقط بالمباني الشاهقة والشوارع العريضة، وإنما تُبنى باحترام جبالها وتضاريسها التي تحتضن تاريخها وثقافتها وطبيعتها. إن قرار تطوير وادي صفار دون تسوية جباله، ليس قراراً هندسياً فقط، بل قرار حضاري يعكس نضج التفكير العمراني للقائمين عليه. فالتنمية الحديثة لا تعني بالضرورة قهر الطبيعية وهدم الجبال لتصنع أرضاً منبسطة، بل تحافظ عليها وتتعايش مع مكوناتها فتحترم منحنيات جبالها وتتصالح مع صخورها فتحميها من طغيان الإسمنت، هي تنمية مستدامة تعزز الانتماء وتحفظ الهوية وتمنح الساكن شعوراً بالهيبة والسكينة في آن واحد. هنا يثبت وادي صفار أن التخطيط الذكي قادر على تحويل ما قد يبدو للبعض عائقًا وتحدياً تضاريسيًا إلى ميزة تنافسية وإبراز لشخصية المكان.
إذا كانت لوس أنجلوس تفاخر العالم بـبفرلي هيلز كأيقونة للسكن الفاخر لا ترى في جبال سانتا مونيكا عائقاً بل فرصة ذهبية كرمز للرقي والتفرد، فإن الرياض اليوم تقدم نسختها الخاصة والأكثر أصالة من خلال مشروع وادي صفار الذي يرى في جبال طويق رمزًا للشموخ وللطموح وأيقونة عالمية لكن بنكهة سعودية خالصة.
إن نجاح مشروع وادي صفار في الحفاظ على الجبال هو نجاح في الحفاظ على هوية المكان من خلال احتضان تاريخه الطبيعي وتضاريسه دون أن يعيق ذلك انطلاقته بثبات نحو المستقبل. فهو بهذا نموذج ملهم يستحق تكراره في ربوع مملكتنا الحبيبة الغنية بتنوع تضاريسها. فكل منطقة تستطيع أن تحكي قصتها الخاصة وتبرز شخصيتها المميزة من خلال جبالها واحتفائها بطبيعتها. فاحترام جغرافيا المكان هو من احترام شخصية المدينة.