محمد الباز
في أحد المقاهي، كنت أستمع إلى حديث شابين يناقشان فكرة مشروع جديد على «تيك توك». لم يتحدثا عن وظيفة أو مقابلة عمل، بل عن محتوى وتسويق وتوسع. عندها أدركت أن شيئًا كبيرًا يتغير أمامنا: جيل كامل يعيد تعريف معنى العمل والنجاح.
فقد اعتدنا في الماضي أن الطريق إلى النجاح مرسوم بخط مستقيم: شهادة جامعية، وظيفة مستقرة، ثم سلم طويل من الترقيات حتى نهاية المشوار. كانت الخريطة واضحة، حتى ظهر جيل Z وصنع خرائطه الخاصة.
جيل Z لا يرى في الوظيفة التقليدية طريقًا إلزاميًا، بل خيارًا من بين خيارات عديدة. هو لا يهرب من المسؤولية كما يظن البعض، بل من الجمود. يريد أن يعيش في عالم أكثر مرونة، يوازن فيها بين الطموح والصحة النفسية وبين المال والمعنى. لكن سؤالًا يفرض نفسه هنا: هل ما نراه هو تمرد.. أم وعي جديد؟ هل عقلية «الانسحاب» التي تميز هذا الجيل هي ضعف، أم شجاعة لاختيار الذات؟
الواقع يقول إن هذا الجيل لا يرى في الانسحاب استسلامًا، بل حرية انسحاب من أنظمة أو مؤسسات لا تعبر عن قيمه، فسعيه ليس للمال فقط، بل من رغبة في الاستقلالية. فهو يعيد تشكيل بيئة العمل، برفضه المسارات المهنية الصارمة التي اعتادتها الأجيال السابقة، مفضلاً ريادة الأعمال، والعمل الحر، والمشاريع الصغيرة على الوظائف الثابتة ذات الجدران الأربعة.
فقد أشار أحد التقارير إلى أن نصف جيل Z يطمح إلى بدء أعماله الخاصة. فقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي مثل TikTok أو Instagram من منصات ترفيهية إلى ساحات لولادة مشاريع تجارية كاملة، حيث يستطيع تحقيق أرباح حقيقية من وراء شاشة الهاتف.
فما الذي يميز جيل Z عن غيره؟
تمر خلفياتهم بمرحلة ما بعد الأزمة المالية الكبرى مع عالم رقمي متطور، مما أثر على مواقفهم تجاه العمل.
ينظر هذا الجيل إلى المهن الحرفية والمهنية نظرة جديدة؛ لم تعد بدائل مؤقتة.. ووفقًا لبيانات «المركز الوطني لأبحاث تبادل الطلاب» في الولايات المتحدة، شهدت كليات المجتمع التي تركز على التعليم المهني ارتفاعًا بنسبة 16% في عدد المسجلين بين عامي 2022 و2023م.
يريد حرية في الزمان والمكان، فلا تعني له ساعات العمل الثمانية سوى نموذج قديم لا يناسب إيقاع العالم الجديد.
مما جعل المؤسسات اليوم في تحد حقيقي في التكيف معه. فبحسب تقرير لـDeloitte، فالشركات ينبغي أن تتبنى «سرعة التغير» التي يعيشها العالم الخارجي، وأن تصمم برامج تدريبية جديدة تتناسب مع هذا الجيل، حيث يواجهون:
تغيرا في بنية المسار المهني: لم يعد جيل Z يتوقع أن يقضي حياته المهنية داخل شركة واحدة أو في وظيفة ثابتة. بل يتطلع إلى مسارات متنوعة.
تشديدا على التواصل والشخصنة: هذا الجيل أكثر حذرًا وأقل ثقة، ربما بسبب نشأته في زمن تغزوه المعلومات المضللة والتلاعب الإعلامي. لذلك، يسعى إلى شفافية أكبر، لا يريد رسائل رسمية جافة، بل تواصلًا مباشرًا وإنسانيًا، يتم عبر القنوات من البريد الإلكتروني إلى المنصات الرقمية ومكالمات الفيديو.
ولتحقيق التوازن بين طموحات هذا الجيل وأهداف المؤسسة، على بيئات العمل أن تحقق:
المرونة في العمل:
اعتماد نماذج عمل مرنة، سواء عن بعد بالكامل أو هجينة.
التواصل الشخصي والمفتوح:
بناء قنوات تواصل مستمرة، تشعر الموظف بأنه مسموع ومفهوم.
احتضان الفردية:
يرى الجيل الجديد نفسه مشروعًا فريدًا، لا نسخة من موظف سابق. لذلك فهم أهدافهم الشخصية هو المفتاح الأول للولاء الحقيقي.
إن دخول جيل Generation Z إلى سوق العمل ليس مجرد تغيير سكاني أو ديموغرافي فحسب، بل هو تغيير في كيف يُنظر إلى العمل والمهنة والمؤسسة. المؤسسات التي ستنجح هي تلك التي تعترف بأن القاعدة لم تعد «اعمل ثم ارتقِ ثم تقاعد» بل «استمر بالتعلم، تغير، وقم بمبادرتك».