د. أحمد محمد القزعل
مضى عام كامل على انتصار الثورة السورية وفتح دمشق، عام منذ أن تنفّست البلاد أول نسمة للحرية بعد اختناق طويل امتدّ لعقود، وفي مثل هذه الأيام من العام الماضي بدا الزمن وكأنه ينشقّ عن فجر جديد، فجر يعلن أن سوريا ليست مجرد جغرافيا منكوبة، بل روح عصيّة على الانكسار، قادرة على إعادة تعريف ذاتها كلما حاول الظلام أن يبتلعها.
إن الذكرى الأولى لهذا الانتصار ليست مجرد احتفاء بحدث عسكري أو سياسي؛ إنها وقفة صادقة مع النفس، سؤال وجودي: هل نحن نبني سوريا كما يليق بتضحياتها؟ أم نترك النصر يتلاشى في زحمة الانشغالات؟
سوريا التي نهضت قبل عام ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لعمق حضاري ضارب في التاريخ، هنا مرَّت حضارات تركت أثرها في كل حجر ومخطوط، وبنت إنساناً يعرف أنّ الأرض التي تلد الحضارات لا تُختزل في سلطة ولا تُهان بالقمع.
إن إعادة بناء الحجر لا قيمة له إن لم يترافق ذلك مع إعادة بناء كرامة الإنسان، وإن النهضة الحقيقية تبدأ من ترميم العقد الاجتماعي، من الاعتراف بكل من تضرّر وتشرّد وتألّم، ومن فتح باب المشاركة لكل السوريين دون إقصاء.
لقد عاش السوريون عقوداً من الخوف، ونظاماً جعل الوطن ملكاً لسلطة لا لشعب، وإذا كانت الثورة قد أسقطت تلك السلطة، فإن مهمة إسقاط آثارها في العقول لا تقل أهمية، وإن الألم الذي مرَّ به السوريون يجب ألا يتحول إلى كراهية، بل إلى درس في الأخوة والحق والعدالة.
إن تعليم الأجيال معنى المواطنة هو أول خطوة لمنع التاريخ من إعادة إنتاج ظلمة، فالتاريخ ليس قيداً يجرّنا للخلف، بل معلماً يضيء لنا الطريق.
إن أمام سوريا تحديات مرهقة: اقتصاد متعب، بنى مدمرة، ملايين المهجّرين، وندوب نفسية تحتاج لسنين لتلتئم، لكن هذه التحديات لا تُرعب شعباً اجتاز الموت وخرج منه واقفاً، فالنهضة مشروع مشترك: الدولة تُقيم المؤسسات، المجتمع يراقب ويشارك، المثقفون يصوغون الوعي، والشباب يقودون العمل والمستقبل.
عام مضى على الانتصار، لكن الطريق لا يزال في بدايته، الانتصار ليس نهاية الرحلة، بل بدايتها الحقيقية، ولن نسمح لسوريا أن تعود إلى الظلام، سنصنع منها وطناً يتّسع للجميع، وطناً يحكمه القانون وتقوم نهضته على العلم وتشرق فيه الحرية كالشمس التي لا تغيب.
لقد علّم السوريون العالم معنى الصبر ومعنى الإصرار ومعنى أن يولد الفجر من قلب العاصفة، وسيظل هذا الفجر دليلاً على أنَّ الإرادة الحرة لا تُهزم وأن سوريا قادرة على أن تعود أجمل مما كانت.