إبراهيم بن يوسف المالك
في السنوات الأخيرة، أثبتت التجارب أن أكبر المخاطر الاقتصادية لا تأتي من الأزمات الظاهرة، ولا من التقارير السلبية التي يتوقعها السوق؛ بل من النقاط العمياء التي تتشكَّل بصمت داخل القطاعات الحيوية دون أن يلاحظها أصحاب القرار. وفي عالم تتقاطع فيه مصالح البنوك، والدولة، والتقنية، وقطاع التجزئة الـRetail، تصبح القدرة على رؤية هذه النقاط شرطًا أساسيًا لاستدامة أي اقتصاد، مهما بلغ حجمه أو قوته.
في القطاع البنكي مثلًا، لا تتحرك المخاطر دائمًا من القروض أو السيولة أو أسعار الفائدة؛ بل من العادات السلوكية التي تتغير عند المستهلكين دون أن ينتبه إليها النظام المالي. التحول نحو المدفوعات الرقمية، وانخفاض الاعتماد على الفروع التقليدية، وتوسع خدمات BNPL «اشترِ الآن وادفع لاحقاً»، كلها أمثلة على تغيّرات تصنع «ثغرة صامتة» إن لم تُقرأ جيدًا. كثير من البنوك حول العالم سقطت ليس لأنها كانت ضعيفة، بل لأنها لم تدرك أن نموذج الربحية القديم فقد دوره بينما كانت لا تزال تتمسك به بثقة زائدة.
وفي القطاع الحكومي، تظهر النقاط العمياء بطريقة مختلفة:
تبدو المؤشرات مستقرة، والإيرادات متماسكة، والبرامج تعمل كما هو مخطط.. لكن خلف هذا الهدوء قد تنمو فجوات صغيرة في التشريعات، أو بطء في التكيّف، أو تجاهل لقطاعات ناشئة تشكِّل مستقبل الاقتصاد. الحكومات التي تتقدَّم اليوم ليست التي تتوسع في اللوائح، بل التي تكتشف مبكرًا أين تتغيَّر قواعد اللعبة. والفرق بين الاستباق ورد الفعل هو ما يصنع الفارق بين دولة تقود التحول.. وأخرى تتفاجأ به.
أما في عالم التقنية، فالنقاط العمياء أكبر وأسرع من أي قطاع آخر. التقنية لا تنتظر أحدًا. كل ثلاثة أشهر تظهر منصة جديدة، وكل سنة يُعاد تشكيل سلوك المستهلك بالكامل. شركات كبرى انهارت رغم حضورها العالمي لأنها لم ترَ تهديد لاعب صغير، أو لأنها افترضت أن تفوّقها التاريخي سيبقى درعًا دائمًا. في التقنية، النقطة العمياء ليست خطأ إستراتيجيًا فحسب؛ بل خطأ زمني.. مجرد تأخر ستة أشهر قد يكون كافيًا لخروج شركة عملاقة من المنافسة.
وفي قطاع الـ Retail التجزئة، تتكرر القصة بطريقة مختلفة لكن النتيجة واحدة:
التجار الذين يظنون أن المتسوِّق سيبقى وفيًا لمجرد وجود العلامة التجارية يقعون في فخ الاستقرار المزيَّف. بينما الحقيقة أن المستهلك الحديث لا ينتظر. يتنقَّل بين العلامات التجارية بمجرد أن تتراجع التجربة، أو ترتفع الأسعار، أو تتأخر الخدمات اللوجستية. هنا تتشكَّل النقطة العمياء: اللحظة التي يظن فيها صاحب القرار أن ولاء العملاء ثابت.. بينما هو يتآكل بصمت بسبب منافس أقرب للسوق، أسرع، وأجرأ.
ورغم اختلاف هذه القطاعات، إلا أن الرابط بينها جميعًا واحد:
أن الخطر الأكبر ليس ما يظهر على الشاشات، بل ما يحدث خارج زاوية النظر.
والمؤسسات التي تنجح في تقليل نقاطها العمياء ليست تلك التي تجمع أكبر عدد من الاجتماعات أو التقارير، بل تلك التي تبني بيئة مستعدة لطرح الأسئلة الصعبة، وتتبنى قراءة بيانات مختلفة، وتحفِّز فرقها على التفكير المستقبلي بدلًا من التفكير الإجرائي الضيق.
لقد أثبتت التجارب أن الكثير من الانهيارات الاقتصادية لم تكن بسبب ضعف في الأعمال، بل بسبب الثقة الزائدة. حين يتصور القائد أن السوق «تحت السيطرة»، يبدأ التراخي، وتُهمل المؤشرات الصغيرة، ويُقلّل من شأن المنافس، ويُهمّش الصوت المخالف داخل المؤسسة. وهنا تحديدًا تتشكَّل النقطة العمياء التي تسبق الانهيار.
إن القطاعات المالية والحكومية والتقنية والتجزئة تشترك في حقيقة واحدة:
أن العالم يتحرك أسرع مما يظن صانع القرار.
وأن القائد الذي يعيد تقييم المشهد باستمرار، ويستمع حتى عندما يظن أنه على حق، ويراجع الأرقام عندما تبدو مطمئنة.. هو وحده الذي يبني اقتصادًا قادرًا على تجاوز المفاجآت.
فالأزمة الحقيقية ليست في الخطر الذي نراه، بل في الخطر الذي لم نرَه بعد.