د. عيسى محمد العميري
تواجه دول الخليج العربي اليوم أحد أكثر التحديات الإستراتيجية إلحاحا، وهو تحدي الأمن الغذائي والمائي، بوصفه قضية مصيرية تتقاطع فيها أبعاد التنمية والاستقرار والاستدامة. ففي منطقة تتسم بندرة الموارد الطبيعية، ومناخ صحراوي قاس، وازدياد سكاني متسارع، بات تأمين الغذاء والمياه أولوية وطنية مشتركة لدول مجلس التعاون الخليجي، وملفا حاضرا بقوة في سياساتها وخططها المستقبلية. وبما تعتمد دول الخليج تاريخيا على الاستيراد الخارجي لتلبية الجزء الأكبر من احتياجاتها الغذائية، فإنه ذلك يجعلها عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، والأزمات الجيوسياسية، واضطرابات سلاسل الإمداد، كما برز ذلك بوضوح خلال جائحة «كوفيد-19» والأزمات الدولية اللاحقة. وفي الوقت ذاته، تعد المنطقة من أكثر مناطق العالم فقرا في الموارد المائية المتجددة، حيث يعتمد الأمن المائي بشكل رئيس على تحلية مياه البحر، وهي عملية مكلفة اقتصاديا وبيئيا. وأمام هذه المعطيات، أدركت دول الخليج أن الحلول التقليدية لم تعد كافية، فشرعت في تبني إستراتيجيات شاملة للأمن الغذائي والمائي تقوم على التنويع، والابتكار، والاستثمار طويل الأمد. فقد أطلقت عددا من الدول الخليجية برامج وطنية لتعزيز الإنتاج المحلي، عبر دعم الزراعة الذكية، وتبني تقنيات الزراعة العمودية، والزراعة في البيئات المغلقة، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة الإنتاج وتقليل الهدر. وعلى الصعيد المائي، استثمرت دول الخليج بشكل مكثف في تطوير تقنيات تحلية المياه، مع التوجه نحو استخدام الطاقة المتجددة للحد من الأثر البيئي، إضافة إلى مشاريع إعادة تدوير المياه، وترشيد الاستهلاك، ورفع الوعي المجتمعي بأهمية المحافظة على هذا المورد الحيوي. كما باتت إدارة الطلب على المياه عنصرا أساسيا في السياسات الخليجية، من خلال تحديث البنية التحتية وتقليل الفاقد. ويبرز التكامل الخليجي كعامل محوري في تعزيز الأمن الغذائي والمائي، حيث تتقاطع مصالح دول المجلس في مواجهة هذا التحدي المشترك. وقد شهدت الأعوام الأخيرة تناميا في التنسيق بين دول الخليج، سواء عبر تبادل الخبرات، أو توحيد السياسات، أو الاستثمار المشترك في المشاريع الزراعية والغذائية داخل المنطقة وخارجها، بما يسهم في تأمين مصادر مستدامة ومتنوعة للغذاء. وفي هذا الصدد فإننا لا يمكن إغفال دور القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي في دعم هذه الجهود، إذ بات الأمنلغذائي والمائي مجالا واعدا للاستثمار، ومحركا للابتكار وريادة الأعمال. كما أسهمت الشراكات الدولية في نقل المعرفة والتقنيات الحديثة، وتعزيز قدرة دول الخليج على بناء منظومة أكثر مرونة واستدامة. من جانب آخر إن قضية الأمن الغذائي والمائي في دول الخليج لم تعد مجرد تحدٍ فني أو اقتصادي، بل أصبحت قضية سيادية وإستراتيجية ترتبط مباشرة بالأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي. ومع استمرار التغيرات المناخية والاضطرابات العالمية، تبدو الرؤية الخليجية القائمة على التخطيط الاستباقي، والتعاون الإقليمي، والاستثمار في التكنولوجيا، نموذجا واعدا لمواجهة تحديات المستقبل، وترسيخ مفهوم الاستدامة كخيار لا بديل عنه في مسيرة التنمية الخليجية. والله الموفق.
** **
- كاتب كويتي