صالح الشادي
في زمن تبدلت فيه المفاهيم وتاهت فيه البوصلة أحياناً، تظل بعض الأسماء علامات مضيئة في طريق المهنية والإخلاص والوفاء. الأستاذ جابر بن علي القرني واحد من أولئك النفر الذين شرفوا الإعلام السعودي بعطائهم، وأسسوا لعلاقة مختلفة مع من حولهم، قوامها الصدق والمحبة وخدمة الآخرين دون مقابل. من الصعب الكتابة عن جابر القرني بوصفه إعلامياً فقط، فهو أكبر من أي لقب أو منصب. هو تجربة إنسانية ثرية، ومدرسة في العطاء، ومسيرة حافلة بالإنجازات التي توزعت بين العمل التلفزيوني، والمسؤوليات الوطنية، والصحافة الشعبية، والعلاقات الإنسانية التي لا تخفت ولا تنطفئ.
حمل جابر القرني شغف الإعلام منذ شبابه المبكر، وتسلح بالعلم فحصل على بكالوريوس الإعلام من جامعة الملك عبدالعزيز. لكن الشهادة وحدها لم تصنع جابر القرني، بل صنعته تلك العين الثاقبة التي ترى الموهبة حيث تختبئ، وتلك الروح التي تؤمن بأن الإعلام رسالة قبل أن يكون وظيفة. عمل لسنوات مشرفاً عاماً على الشؤون الإعلامية في المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية)، ذلك المهرجان الذي شكل منصة انطلاق للكثير من المواهب السعودية، وكان خلف كواليسه رجل يعمل بصمت ليخرج العمل للنور في أبهى صورة. لم يكن جابر مجرد مسؤول إعلامي، بل كان عرَّاباً حقيقياً للثقافة والفنون، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويؤمن بأن تراث هذا البلد يستحق أن يقدم للعالم بأجمل حلة.
وعندما نتحدث عن عمل جابر القرني في وزارة الحرس الوطني، نحن بصدد جزء مهم من مسيرة رجل جمع بين الإعلام والمسؤولية الوطنية. يشغل الأستاذ جابر منصب مستشار إداري هذا المنصب لم يذهب إلى رأسه، ولم يغير من تواضعه شيئاً. ظل كما هو: بسيطاً، قريباً، متاحاً للجميع. عمل مشرفاً عاماً على مجلة الحرس الوطني، تلك المجلة التي كانت منبراً إعلامياً مهماً، وحولها إلى فضاء ثقافي راقٍ يليق بمكانة الحرس الوطني ودوره الوطني. جابر في الحرس الوطني لم يكن موظفاً، بل كان أميناً على مسؤولية، وحارساً للذاكرة الإعلامية لمؤسسة وطنية عريقة.
لا يمكن الحديث عن الإعلام التلفزيوني السعودي دون الوقوف عند محطات مهمة في مسيرة جابر القرني. قدم برنامج «أغنيات للوطن» على قناة السعودية أثناء حرب تحرير الكويت، في تلك الفترة العصيبة التي كانت تحتاج فيها البلاد إلى من يعزِّز الروح الوطنية، كان جابر هناك، يقدم فناً وطنياً راقياً يلامس القلوب. وفي السنوات الأخيرة، أطل علينا من جديد ببرنامج «صنوان» على قناة السعودية. البرنامج لم يكن مجرد حوارات عابرة، بل كان توثيقاً لسير ذاتية لشخصيات سعودية أثرت الساحة الثقافية والأدبية والفنية. هنا تجلت موهبة جابر الفريدة: قدرته على استخراج ما في نفوس ضيوفه من كنوز، وصوغها في قالب إنساني عميق. هو ليس مقدم برامج عادي، بل هو مؤرِّخ للإبداع السعودي، وموثق لمسيرة المبدعين الذين لولا هذا البرنامج لبقيت قصصهم حبيسة الصدور.
جابر القرني صحفي بفطرته. امتلك موهبة الاقتراب من الناس، وفهم همومهم، وترجمة أحلامهم. عمله في الصحافة الشعبية لم يكن مجرد تغطيات، بل كان حالة من الانغماس في تفاصيل المجتمع. عرف كيف يصل إلى القارئ البسيط، وكيف يخاطبه بلغته، دون ابتذال أو تخلٍ عن المهنية. تجربته في مجلة «المختلف» وغيره من المنابر الصحفية تؤكد أنه إعلامي شامل، لا يحبس نفسه في قالب واحد.
ومن المحطات المهمة في مسيرة جابر القرني عمله مسؤولاً للعلاقات العامة والإعلام في نادي الفروسية لأكثر من عشرين سنة. الفروسية في السعودية ليست مجرد رياضة، بل هي تراث وعراقة. وجابر استطاع خلال هذه العقود أن يقدم الفروسية للناس في قالب إعلامي جذاب، وأن يوثق للبطولات والانتصارات، وأن يكون حلقة الوصل بين هذا الموروث العريق والإعلام الحديث.
جابر القرني كاتب ومؤرخ أيضاً. أعد عدداً من الكتب التوثيقية للأوبريتات الاستعراضية لمهرجان الجنادرية، منها «أوبريت التوحيد» كلمات الأمير خالد الفيصل، و»دولة ورجال»، و»عرائس المملكة». هذه الكتب ليست مجرد توثيق، بل هي حفظ لذاكرة وطن كامل. وهي تعكس جانباً آخر من شخصية جابر: الحرص على أن يبقى الإعلام مكتوباً مقروءاً، وأن تتحول اللحظة الإعلامية العابرة إلى وثيقة خالدة.
وفي مهرجان الجنادرية 33 عام 2018، كرَّم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود الأستاذ جابر القرني. هذا التكريم لم يكن مجرد درع يُمنح، بل كان اعترافاً رسمياً بمسيرة حافلة بالعطاء، وتقديراً لرجل أمضى عمره في خدمة الإعلام والوطن. ثم جاء اختياره أميناً عاماً لجائزة المنتدى السعودي للإعلام 2025 ليؤكد أن العطاء لا يتوقف، وأن الخبرة السعودية مطلوبة دائماً في المحافل الإعلامية الكبرى.
من أبرز ما يميز الأستاذ جابر القرني شبكة علاقاته الواسعة التي تمتد لتشمل كل أطياف المجتمع. هو صديق للأديب والفنان، وقريب من الرياضي والمثقف، ومحبوب من المسؤول والمواطن البسيط. لا توجد فئة في المجتمع إلا ولها معه حكاية، ولا يوجد مناسبة وطنية أو ثقافية أو رياضية إلا وكان له فيها حضور وبصمة. هذه العلاقات لم تكن لمصالح شخصية، بل كانت نابعة من قناعة بأن الإعلامي الحقيقي يجب أن يكون قريباً من الناس جميعاً، متصلاً بهم، عارفاً بتفاصيل حياتهم. جابر لا يعرف الحواجز، ولا يؤمن بالمناطق المعزولة. هو للجميع، وباب قلبه مفتوح للجميع.
من يتعامل مع جابر القرني يشعر فوراً بهالة من الهدوء والطمأنينة تحيط به. ليس من أولئك الذين يرفعون أصواتهم، ولا من محبي الظهور الصاخب. هدوؤه عميق، وكلماته محسوبة، وابتسامته لا تفارق وجهه. هذه الصفات جعلته محط ثقة الجميع، ومحبوباً من كل من عرفه. محبته للآخرين صادقة، ليست مجاملة عابرة. تجده يسأل عنك وعن أسرتك، يتذكر مناسباتك، يشاركك أفراحك وأحزانك. في زمن أصبحت فيه العلاقات إلكترونية باردة، يظل جابر نموذجاً للعلاقة الإنسانية الدافئة التي تذكِّرنا بأن الإعلامي الحقيقي يمتلك قلباً قبل أن يمتلك كاميرا وميكروفوناً.
هنا لا بد من كلمة خاصة، كلمة من صديق قديم عرف جابر القرني منذ عقود. حين أكتب عن جابر، لا أكتب عن إعلامي معروف فقط، بل أكتب عن صديق لم تعرف علاقتنا طوال هذه السنين أي شائبة من المصالح. عرفته منذ سنوات بعيدة، وكانت صداقتنا قائمة على المحبة الخالصة والاحترام المتبادل. في زمن أصبحت فيه العلاقات تقاس بالمكاسب، ظل جابر على العهد. لم يتغير حين تغيرت المناصب، ولم يتبدل حين تبدلت الظروف. هو هو: الإنسان البسيط، النقي، الطيب. كم من مرات لجأت إليه فوجدته سنداً، وكم من مرات احتجت مشورته فكان خير ناصح أميناً. الصداقة مع جابر ليست مجرد علاقة عابرة، بل هي مدرسة في الوفاء والإخلاص. يرحم الله أيامنا الجميلة معاً، تلك الأيام التي جمعتنا على المحبة والخير. كان جابر ولا يزال ذلك الصديق الذي لا يغيب، والحضن الدافئ الذي لا يبرد. في زمن الخذلان، يظل الوفاء علامة فارقة في شخصية جابر القرني.
الأستاذ جابر القرني ليس مجرد إعلامي سعودي، بل هو أيقونة إنسانية قبل أن يكون أيقونة إعلامية. هو الرجل الذي استطاع أن يجمع بين الاحترافية والمحبة، بين المنصب الرفيع والتواضع الجم، بين العمل المؤسسي والعلاقات الشخصية. هو منارة للإعلام السعودي، وصانع نجوم، وصديق وفي، وإنسان نادر في زمن الندرة. تحية لهذا الرجل الذي شرفنا بصداقته، وأسعدنا بعطائه، وألهمنا بهدوئه ومحبته. ستبقى يا أبا معتز كما عرفتك: أخاً وصديقاً وإنساناً. وحين نكتب عنك، لا نكتب مجاملة، بل نكتب إنصافاً لقامة إعلامية وإنسانية تستحق كل التقدير والاحترام.