د. طلال الحربي
في النسخة الثالثة من معرض الدفاع العالمي، لم تكن العاصمة السعودية مجرد منصة لعرض أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا التسليح. بدت الرياض وكأنها ترسم خريطة جديدة للتحالفات الدفاعية، لا تقوم على علاقات الشراء فقط، بل على شراكات ساخنة بالخبرة والتدريب ونقل المعرفة. المدهش ليس في أن 1486 شركة من 89 دولة شاركت، بل في أن هذه الشركات لم تأتِ للعرض فقط، بل لتتعلَّم كيف يتم العمل مع السعودية، وفي السعودية.
لطالما كان امتلاك السلاح علامة قوة، لكن الزمن تغيَّر؛ اليوم، القوة الحقيقية في امتلاك القدرة على صناعته، بل تطويره.
ما حدث في الرياض في فبراير لم يكن معرضاً عسكرياً تقليدياً، بقدر ما كان إعلان نضوج لمرحلة جديدة من التفكير الإستراتيجي. حين تتحول صفقات التسليح إلى عقود توطين، وحين تتحول منصات العرض إلى مختبرات للتطوير المشترك، فذلك يعني أن سردية كاملة انقلبت. سردية كانت تضع المنطقة في موقع المستهلك النهائي، وأصبحت اليوم تضعها في موقع الشريك المؤثِّر في شكل الحروب المقبلة.
لكن اللافت في المشهد في الرياض كانت الأرقام ترسم صورة مختلفة. 60 صفقة بقيمة 33 مليار ريال، و513 وفداً رسمياً من 121 دولة، و137 ألف زائر. هذه ليست أرقاماً فقط، بل شهادة دولية على أن السعودية باتت قبلة لصناعة لا تعترف إلا بلغة الجدارة. ومع ذلك، تبقى الأهمية الحقيقية ليس في حجم الإنفاق، بل في طبيعته. إنفاق يضخ في شرايين اقتصاد وطني يحتضن 355 استعراضاً جوياً و700 مُعدة عسكرية، ويعقد 70 جلسة ريادة فكرية بمشاركة 151 متحدثاً.
في خضم هذا الزخم، كان ثمة تحول لا ترصده الكاميرات عادة. تحول يحدث في منطقة «سلاسل الإمداد السعودية» ومبادرة «مواهب المستقبل». هناك، حيث يجلس شاب سعودي يتعلَّم برمجة أنظمة الطائرات غير المأهولة، يتحول الدفاع من كونه قطاعاً مغلقاً إلى محرك تنموي مفتوح. الصناعات العسكرية لم تعد مجرد رادع أمني، بل أصبحت ورشة وطنية كبرى لصناعة مهندسي الغد. حين تستقطب الرياض 1453 صحفياً من العالم، وحين تتحول طائرات F35 وطائرات التايفون إلى خلفية بصرية لصقور سعودية، يتشكل وعي جديد مفاده أن القوة توأم الابتكار.
ولم يكن هذا التحول ممكناً لولا فريق لا يظهر غالباً في الصور. خلف الكواليس، كان معالي الدكتور أحمد بن عبدالعزيز العوهلي، محافظ الهيئة، وسعادة المهندس عبدالله الحماد نائب المحافظ لقطاع الإستراتيجية وإدارة الأداء، وسعادة الأستاذ سلطان المالك كبير الإداريين بالهيئة وأمين اللجنة الإشرافية للمعرض وفريقهم في الهيئة العامة للصناعات العسكرية يعيدون تعريف معنى التنظيم. لم يديروا معرضاً، بل صاغوا بيئة استثنائية جعلت الرياض في خمسة أيام قبلة لوزراء الدفاع وكبار المصنعين. مساحة العرض التي زادت 58 % عن النسخة الأولى لم تكن مجرد توسع في المساحة، بل توسع في الطموح. والثقة التي منحتها كبريات الشركات العالمية لهذا المعرض لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج عمل مؤسسي منضبط حوّل الهيئة إلى علامة تجارية وطنية تتردد في أروقة صناعة القرار الدفاعي من واشنطن إلى سيول.
يبقى أن العبرة ليست في ختام الفعاليات، بل في ما تتركه خلفها من أسئلة. معرض الدفاع العالمي لم يغلق أبوابه، بل فتح نوافذ على أسئلة أكبر. هل نشهد ولادة مفهوم جديد للقوة في المنطقة، لا يقوم على سباق تسلّح تقليدي، بل على بناء قدرات ردع ذكية، تجعل من السلام خياراً قوياً وليس استجداءً هشاً؟ و تنجح الرياض بتوطين 50 % من الإنفاق العسكري بحلول 2030 إلى واقع ملموس، يجعل من «صنع في السعودية» علامة جودة عالمية في الدفاع كما هي في الطاقة والبتروكيماويات؟
الجواب لا نكتبه اليوم، بل في السنوات المقبلة. الجواب يكتبه أولئك الشباب الذين جلسوا في قاعات «مواهب المستقبل»، وهم يدركون أن صناعة المستقبل لا تعني صناعة الطائرات والصواريخ فقط، بل صناعة العقل الذي يصنعها. وفي ذلك، ربما، يكمن الفارق بين من يشهد التاريخ، ومن يصنعه.