أحمد بن محمد الغامدي
في قلب جدة، حيث تتكئ البيوت العتيقة على ذاكرة البحر، وحيث تتنفس «الرواشين» عبق القادمين من كل فجٍّ بعيد، يقف اسم المهندس سامي نوار لامعًا، فقد نذر عمره كله للحفاظ على كنوز هذه المنطقة العزيزة، وهو الخبير، قرأ تاريخ المكان حجراً حجراً، وآمن بأن حماية التراث ليست عملاً إدارياً عابرًا، بل رسالة عمر.
ارتبط اسم نوار بـ«جدة التاريخية» منذ عام 1406هـ، في وقت لم تكن فيه المنطقة تحظى بما تحظى به اليوم من اهتمام وتنظيم، تدرّج في مواقع المسؤولية من رئاسة إدارة التعديات، إلى إدارة المراقبة في بلدية البلد، ثم في إدارة حماية المنطقة التاريخية، قبل أن يتوّج مسيرته برئاسة بلدية جدة التاريخية عام 1431هـ ليكون أول رئيس لها، ومنذ ذلك الحين، تحوّل إلى أن يكون همه الأول المحافظة على بيوتٍ كادت أن تسقط، وذاكرةٍ كانت مهددة بالتآكل. تكوينه الأكاديمي في الهندسة المدنية من جامعة كالفورنيا ساكرمنتو عام 1982م، لم يكن مجرد شهادة جامعية، بل قاعدة علمية مكّنته من فهم البنية الإنشائية للمباني التراثية، والتعامل معها بمنهج علمي، وهو ما تجلّى لاحقًا مع تأسيس أول مركز إنذار مبكر لمراقبة الهياكل الإنشائية للمباني التاريخية عبر حساسات ومنصة إلكترونية، تتابع حركة المياه الجوفية والتشققات، وتطلق التنبيهات قبل وقوع الخطر.
ولأن صون التراث يبدأ من استعادة عناصره الأصلية، قاد مه مهندسين وإداريين آخرين إعادة بوابة باب شريف وبوابة الفرضة إلى موقعيهما الحقيقيين، بالأبعاد التاريخية الدقيقة، وانقاذ سارية العلم الأثرية عام 1413هـ من الهدم، ونقلها إلى ساحة بيت نصيف، الذي تحوّل لاحقًا إلى منارة ثقافية ومقصد رئيس للزوار، كما شارك مع آخرين في كشف عين فرج يسر وأجزاء من السور الجنوبي لجدة التاريخية، وبذلك أعيد رسم ملامح المدينة داخل سورها القديم.
وكان عضوًا في الوفد السعودي في المجلس الدولي للمعالم والمواقع (إيكوموس) بالمكسيك منذ عام 1994م، وعضوًا في وفد المملكة لتسجيل جدة التاريخية في قائمة التراث العالمي لدى اليونسكو عام 2014م في الدوحة، ذلك التسجيل لم يكن إنجازًا بيروقراطيًا، بل اعترافًا دوليًا بقيمة موقعٍ تاريخي مهم.
أسهم نور مع غيره في إنشاء وبناء وإدارة «بيت جدة» في مهرجان الجنادرية بين عامي 1430هـ و1439هـ، إلى جانب أجنحة تراثية لمنطقة مكة المكرمة، باستخدام مواد البناء التقليدية كالحجر المنقبي والطين، في إعادة تقديم العمارة الحجازية للأجيال الجديدة، وأشرف على ترميم مسجدي الشافعي والمعمار، وأثبت عبر دراسات علمية وجود أخشاب تعود لأكثر من 1400 عام في مسجد عثمان بن عفان، ما عزز البعد التاريخي العميق للمدينة. تقديرًا لمسيرته، حصل سامي نوار على لقب «معلم بلدي» من هيئة التراث، بتوقيع صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز.
وبفضل مشاركته مع آخرين لأكثر من أربعه عقود، تحوّلت المنطقة التاريخية إلى مقصد عالمي للزوار، وأصبحت جزءًا رئيسًا من البرامج السياحية في المملكة. رُممت البيوت الآيلة للسقوط، وعادت سينما البلد للتألق كما كانت في ستينات وسبعينات القرن الماضي، واستعاد بيت نصيف دوره الثقافي والحضاري، لتصبح «البلد» مساحة حيّة تنبض بالفعاليات والمعارض والأنشطة التراثية التي عمل على تنظيمها وإقامتها لسنوات طويلة. امتدت خبرته كذلك إلى العمل الأكاديمي، حيث درّس التراث العمراني بجامعة دار الحكمة، وألقى محاضرات تعريفية لطلاب جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، وساهم مع آخرين في إعداد كتاب عن البناء بالحجر والطين التقليدي في المملكة، جامعًا بين الخبرة الميدانية والتوثيق العلمي.
انتقل نوار لاحقًا من رئاسة بلدية جدة التاريخية إلى العمل مستشارًا لمشاريع التراث والثقافة، ثم مستشارًا بوزارة الثقافة، مواصلًا أداء دوره بالمساهمة في حماية الإرث الوطني.