د. طارق بن محمد بن حزام
«النجاح في رمضان لا يقاس بعدد الأعمال، بل بعمق التحول الذي يحدث في النفس».
رمضان ليس مجرد شهر في التقويم، ولا سباقًا عابرًا لزيادة الأعمال والختمات، بل محطة لإعادة ترتيب الإنسان نفسه. قليلون هم الذين يخرجون من رمضان بقلوب جديدة، وأكثرهم يكتفون بإدارة ساعاتهم، بينما الأسمى هو إدارة الذات.
في رمضان، يحرص كثيرون على تنظيم اليوم: وقت للقرآن، ووقت للقيام، ووقت للصدقة، ووقت لصلة الرحم. لكن رمضان لا يختبر قدرتنا على إدارة الوقت بقدر ما يختبر قدرتنا على ضبط النفس.
الصائم لا يُمنع من الطعام والشراب، بل يتركهما طوعًا، كما جاء في الحديث: «مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعملَ بِهِ، فليسَ للهِ حاجةٌ بأن يدَعَ طعامَهُ وشرابَهُ». وهذا يذكّرنا أن الصيام مدرسة للإرادة قبل أن يكون برنامجًا تعبديًا.
فالصيام يوجهنا نحو سؤال أعمق: كيف أرتقي بنفسي؟
قد نختم القرآن، لكن هل تغيرت قلوبنا؟ قد نقوم الليل، لكن هل تهذبت أخلاقنا؟ قد نصوم النهار، لكن هل صامت جوارحنا عن الخطأ؟
وقد بيّن الله غاية الصيام بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
فالغاية التقوى، وهي أسمى صور إدارة الذات؛ أن يراقب الإنسان ربه في سره وعلنه، ويهذب إرادته قبل أن ينظم وقته.
رمضان ليس شهر ازدحام الأعمال، بل شهر تصحيح الاتجاه.
ليس سباقًا في الكثرة، بل موسمًا في النوعية.
ليس إدارة ساعات، بل إدارة القلوب.
خاتمة
من خرج من رمضان وقد تعلّم ضبط نفسه قبل جدوله، وقيادة شهواته قبل وقته، فقد ربح الرحلة الأصعب... وربح نفسه.
«رمضان أيام معدودة، لكن أثره يصنع إنسانًا جديدًا؛ فمن ملك نفسه في ثلاثين يومًا، استطاع أن يملك طريقه بقية العام».