إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
ليس النحت مجرد تشكيلٍ للمادة، بل هو تدوينٌ للحضارة على جسد التاريخ. منذ الأزل، كانت المنحوتات هي الشاهد الباقي على هوية المدن، تنطق بما عجزت عنه الكلمات، وترسم في الفضاءات العامة ملامح الثقافة والروح الجمعية للشعوب. وفي الرياض، لم يعد النحت مجرد فنٍ يُعرض في القاعات المغلقة، بل أصبح جزءاً من نسيج المدينة الحقيقي، حيث تتحول الأحجار الصماء إلى حكايات تروي قصة التحول الكبرى التي تشهدها المملكة.
طويق للنحت.. رحلة الإبداع من الحجر إلى الوجدان
على مدار السنوات الماضية، استطاع «ملتقى طويق للنحت» أن يرسخ مكانته كواحد من أهم الروافد الثقافية لبرنامج «الرياض آرت». ومنذ انطلاقته الأولى في عام 2019، نجح الملتقى في أن يكون جسراً ثقافياً يربط الرياض بالعالم، مستقطباً أكثر من 170 نحاتاً دولياً تركوا بصماتهم الإبداعية في قلب العاصمة. هذا التراكم الفني لم يكن مجرد إضافة عددية، بل كان بناءً لهوية بصرية متجددة، تدمج بين أصالة التراث السعودي والمعاصرة العالمية، مما جعل من الرياض وجهة عالمية تلتقي فيها الأزاميل لتصنع الجمال.
نسخة 2026 «ملامح ما سيكون» في قلب التحلية
تأتي النسخة السابعة من الملتقى هذا العام تحت شعار ملهم: «ملامح ما سيكون» لتقدم قراءة فنية عميقة لمفهوم التحول والتجديد الحضري. ولم يكن اختيار موقع «طريق الأمير محمد بن عبدالعزيز (التحلية)» محض صدفة؛ فهذا المكان الذي ارتبط تاريخياً بأولى محطات تحلية المياه في الرياض، يرمز اليوم للابتكار والتكيف وتحسين جودة الحياة. في هذا الفضاء الفني المفتوح، تحول الشارع إلى مرسمٍ حي، حيث تابع الجمهور مباشرةً تحول كتل الحجر المحلي والمعادن المعاد تدويرها إلى منحوتات مبهرة.
وفي هذه التظاهرة، اجتمع فنانون من 18 دولة، جرى اختيارهم بعناية من بين مئات المتقدمين، ليقدموا رؤى متنوعة حول الذاكرة، والاستدامة البيئية، وأثر التدخل الإنساني في المشهد الطبيعي.
رؤى فنية تقرأ الحاضر وتستشرف الغد
وفي هذا السياق، أشارت سارة الرويتع، مديرة ملتقى طويق للنحت، إلى أن هذه النسخة شكلت حالة فنية استثنائية من خلال «النحت الحي»، حيث نجح الفنانون في تطويع خامات متنوعة شملت الجرانيت السعودي والمعادن المعاد تدويرها. وأكدت أن الموقع الاستراتيجي في «التحلية» لم يكن مجرد عرض للمنحوتات، بل تحول إلى منصة تعليمية وتدريبية متكاملة عبر برامج التدريب المهني والورش المجانية التي استهدف كافة فئات المجتمع.
من جانبها، أوضحت القيمة الفنية للملتقى، لولوة الحمود، أن الرؤية الفنية استوحت إلهامها من رمزية «التحلية» كعنصر مادي وفلسفي يمثل مصدراً للحياة والاستمرارية. وأشارت إلى أن دور القيم الفني تجاوز التنسيق الإداري ليكون صياغةً لقصة متكاملة تضمن تناغم المنحوتات لتروي حكاية المدينة وتحولها من منطقة كانت تعاني شح المياه إلى مصدر للحياة، مؤكدةً على أهمية تعريف الأجيال القادمة بهذا الإرث من خلال الفن.
«الرياض آرت».. حلم القيادة الذي يضيء العاصمة
إن هذا الحراك الفني ليس إلا ثمرة لرؤية طموحة أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بمبادرة من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله-. حيث يهدف برنامج «الرياض آرت» إلى تحويل العاصمة إلى معرض فني مفتوح يمزج بين الأصالة والمعاصرة، ويرفع من جودة الحياة لتكون الرياض واحدة من أفضل مدن العالم للعيش والابتكار.
ومن خلال مبادرات كبرى مثل «نور الرياض» و»ملتقى طويق للنحت»، تواصل المملكة دعمها اللامحدود للثقافة والفنون، مؤمنةً بأن الإبداع هو اللغة العالمية التي تعزز التفاعل الحضاري وتجعل من الفن جزءاً لا يتجزأ من أسلوب الحياة اليومي.
فنانو ملتقى طويق للنحت 2026
شهدت النسخة السابعة مشاركة نخبة من النحاتين الذين صاغوا بإبداعاتهم ملامح المستقبل، وهم: سعيد قمحاوي (السعودية)، ايمانويلا كاماتشي (إيطاليا)، ميساء شلدان (السعودية)، حسن قريشي (باكستان)، محمد الثقفي (السعودية)، ياسوشي هوري (اليابان)، وفاء القنيبط (السعودية)، فيكتور كوباتش (بيلاروسيا)، صديق واصل (السعودية)، رايا قسيسية (الأردن)، عبدالحميد الطخيس (السعودية)، جاسم شومان (فلسطين)، زهرة رحيمي (إيران)، نيكولا فوتشي (إيطاليا)، شهريار رضائي (إيران)، كارول جين تيرنر (أمريكا)، خوسيه ميغل كاركامو (تشيلي)، نيلهان سيسالان يوزسيفر (تركيا)، مريم تركي (العراق)، كوملان صاموئيل أولو (توغو)، ماتيو إلبارو (فرنسا)، عزة القبيسي (الإمارات)، جمال عبدالرحيم (البحرين)، جيلفيناس بالكيفيتشيوس (ليتوانيا)، وإيرينا بوسنر (بريطانيا).
** **
إكس: AL_KHAFAJII