تحت سماء جدة التي لا تكف عن استنطاق الجمال، وبين ردهات جمعية الثقافة والفنون، انبعثت خلال الأيام الماضية سمفونية استثنائية لم تكن مجرد فعاليات عابرة، بل كانت عناقا ً أزلياً بين الكلمة واللحن واللون. في مشهد يجسد روح رؤية 2030، تحولت الجمعية إلى مِحْرابٍ ثقافي تذوب فيه الحدود بين الفنون، لتصيغ هوية وطنية تتنفس إبداعًا وتنبض بالحياة.
أوتار الكلمة.. وحين يرسم «الشادي» باللحن
بدأت سمفونية القصائد مع الدكتور صالح الشادي، الشخصية التي تجسد بحد ذاتها تكامل الفنون؛ فهو الأديب الذي يطوع المفردة، والفنان التشكيلي الذي يدرك أبعاد اللوحة قبل أن يسكبها في قالب شعري. في أمسية «الأغنية ورسالتها الوطنية»، التي أدارها ببراعة الإعلامي مهدي الزهراني وبدعم من برنامج «مديد»، لم تكن الأغنية مجرد طرب، بل كانت وثيقة تاريخية.
تحدث الشادي عن «صدق الكلمة» باعتباره الروح التي تنفخ الحياة في جسد اللحن، مستعرضاً مسيرة ممتدة بين ريشة الفنان وقلم الشاعر. تجلى ذلك في عرض أعماله التي رددتها الحناجر، من «حنا رجال أبو فهد» بصوت فنان العرب، إلى «بايع ومد اليد»، لتؤكد الأمسية أن الأغنية الوطنية هي «الذاكرة الجمعية» التي تحفظ ملامح الوطن في قلوب أبنائه.
غناء الروح.. معالي «خوجة» يسكب الشعر موسيقى
ولأن الفن لا يكتمل إلا بعودة الروح إلى لغتها الأم، جاءت أمسية «الفصحى - غناء الروح» مع معالي الدكتور عبدالعزيز خوجة. وبإدارة الدكتور زيد الفضيل، أخذنا «خوجة» في رحلة عبر نصوصه التي لم تكتفِ بالبقاء حبيسة الأوراق، بل حلقت بجناحي الموسيقى بأصوات عمالقة مثل وديع الصافي وصباح فخري وعبادي الجوهر.
لم يكن دور الدكتور خوجة مقتصراً على كونه شاعراً غنائياً فحسب، بل برز دوره الجلي والراسخ في دعم الحراك التشكيلي السعودي، مؤمناً بأن القصيدة واللوحة وجهان لعملة واحدة من الرقي الإنساني. وفي لحظة تجلّ موسيقية، اختلطت أنغام قانون الدكتور مدني عبادي بكلمات خوجة التي شدا بها الفنان محمد هاشم، لترسم لوحة وطنية حية برهنت أن الموسيقى هي اللغة التي تفتح أبواب العالم أمام حضارة المملكة.
مداد اللون.. توثيق قرن من الضوء
وفي زاوية أخرى من زوايا الإبداع، كان الموعد مع التاريخ البصري، حيث تم تدشين كتاب «120 عاماً من الإبداع التشكيلي السعودي» للفنان أحمد فلمبان ، هذا الإصدار لم يكن مجرد كتاب، بل كان توثيق جذور اللون منذ عام 1326هـ.
برعاية كريمة من الدكتور عبدالعزيز خوجة والدكتور عبدالله دحلان، احتفى الحاضرون بتوثيق سيرة أكثر من 670 فنانًا وفنانة حيث التقت «بصيرة» الشاعر «ببصر» التشكيلي، وأكد حضور الدكتور خوجة في هذا المحفل دوره المحوري كراعٍ للفنون البصرية، معتبرًا أن توثيق اللون هو توثيق لمراحل بناء الوعي السعودي وتطوره.
وعن هذه الفعاليات أكد الأستاذ محمد آل صبيح، مدير جمعية الثقافة والفنون بجدة، أن هذا التنوع في البرامج يعكس تكامل المشهد الثقافي السعودي وثراءه، ويؤكد أن الثقافة أصبحت اليوم أحد أهم أدوات بناء الإنسان وتعزيز الهوية الوطنية. وأشار إلى أن الأغنية تصنع الذاكرة، والقصيدة تعمّق الحس الجمالي، والفن التشكيلي يوثق التحولات، وأن الجمعية ستواصل دورها بوصفها منصة للإبداع وبيتًا مفتوحًا للمواهب، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.