السموأل محمد إبراهيم
في البدء كانت الفكرة.. وكانت الأرض، وكان في قلب الجزيرة وعد يتخلق بين كثبانها، كأن الرمال نفسها تحفظ سرا مؤجلا للانبثاق. ثم شاء الله أن ينهض ذلك الوعد من ربوع الدرعية، حين أطلق الإمام محمد بن سعود شرارة التأسيس، لا ليقيم سلطانا عابرا، بل ليبني دولة على ركائز الإيمان والنظام ووحدة الصف؛ دولة تعرف أن المجد لا يستعار، بل يصنع بصبر الرجال، وأن السيادة ليست صخبا، بل مسؤولية تاريخ.
يوم التأسيس ليس حدثا يروى، بل معنى يعاش. هو لحظة وعيٍ جمعي أدركت فيها الأرض رسالتها، واكتشف فيها الإنسان السعودي ذاته بوصفه حامل أمانة حضارية.
ثلاثة قرون تعاقبت فيها المواسم، وتبدلت الأحوال، غير أن الجذر ظل ضاربا في عمق القيم : عدل يحمي، ووحدة تجمع، وولاء يصون الكيان من التصدع. ومن رحم التحديات، ولدت القدرة؛ ومن لهيب التحولات، انبعثت دولة تعرف كيف تتجدد دون أن تتنكر لأصولها.
إن سر التجربة السعودية لا يكمن في طول عمرها فحسب، بل في قدرتها على الموازنة بين الأصالة والمعاصرة؛ بين ثبات المرجعية وانفتاح الرؤية.
فمنذ فجر التأسيس إلى حاضر مشرق تقوده عزيمة متوثبة، ظلت المملكة تكتب فصولها بمداد العمل، لا بالشعارات. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبسواعد الرؤية التي يقودها سمو ولي العهد محمد بن سلمان آل سعود، تتجلى مرحلة تاريخية فارقة، حيث تتحول الرؤى إلى برامج، والطموحات إلى منجزات، ويغدو الإنسان السعودي محور التنمية وغايتها.
لقد أصبحت المملكة نموذجا لدولة تعرف موقعها من التاريخ والجغرافيا معا؛ فهي قلب العالم الإسلامي، وركن الاستقرار في محيط تتلاطم فيه التحولات، وصوت اعتدال يوازن بين الثوابت ومقتضيات العصر. في مشاريعها الكبرى، وفي نهضتها الثقافية والاقتصادية، وفي حضورها الدولي الواثق، نرى دولة لا تكتفي بأن تكون شاهدة على العصر، بل شريكة في صناعته.
ويوم التأسيس، في جوهره، هو احتفاء بفلسفة البقاء: كيف تصمد الأمم حين تتكئ على قيمها، وكيف تزدهر حين تجعل من وحدتها حصنا ومن قيادتها بوصلة ومن شعبها طاقة لا تنضب. هو درس في أن البناء الحقيقي يبدأ من الداخل؛ من ترسيخ الثقة بين الحاكم والمحكوم، ومن إعلاء شأن القانون، ومن صيانة الكرامة الإنسانية.
ومن السودان، أرض النيلين والتاريخ الضارب في القدم، نتوجه إلى المملكة قيادة وشعبا برسالة تقديرٍ صادقة. فالعلاقة بين الشعبين ليست مجرد علاقات دبلوماسية، بل وشائج وجدانٍ وتاريخٍ مشترك. ونعتز بما يجمعنا من قواسم إنسانية وأخلاقية راسخة. نفرح لفرحها، ونفاخر بإنجازاتها، فكم احتضنت أرض المملكة أبناء السودان بمحبة وأخوّة، فكانوا جزءا من نسيجها، يبادلونها الوفاء بالوفاء، والعمل بالإخلاص. وإننا كشعب سوداني نرى في المملكة شقيقة كبرى، نعتز بمكانتها، ونفخر بإنجازاتها، ونسأل الله أن يديم عليها نعمة الأمن والرخاء.
وفي يوم التأسيس، نقف احتراما لمسيرة وطن عرف كيف يصنع تاريخه، وكيف يحمي مكتسباته، وكيف يبني مستقبله بثقة وإيمان. هو يوم يعلمنا أن الدول العظيمة لا تقاس بأعمارها فحسب، بل بعمق جذورها، وصلابة بنيانها، وسمو رسالتها.
إن يوم التأسيس ليس ذكرى تعلق على جدار الزمن، بل عهد يجدد في الضمائر: أن تبقى المملكة أمينة لرسالتها، ثابتة على قيمها، ماضية في مشروعها الحضاري بثقة المؤمن وعزم الواثق.
وفي هذا اليوم المجيد، نقف إجلالا لدولة عرفت كيف تحول الصحراء إلى قصة ازدهار، وكيف تجعل من الوحدة عنوانا للمستقبل، ومن التاريخ جسرا تعبر عليه إلى الغد.
سلام على وطن اذا عاهد وفى، وإذا بنى أتقن، وإذا تقدم أدهش. وسلام على شعب وقيادة يكتبان كل عام فصلا جديدا في ملحمة المجد.