عبدالوهاب الفايز
قبل أن يجف حبر «السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة العربية السعودية» التي وافق عليها مجلس الوزراء منتصف شعبان الماضي، خرجت لوحة في (سوق الزل) وسط الرياض تحمل الاسم الجديد للسوق، وجاءت هكذا: (الزل ستريت فود). طبعًا، هذه الخطوة لم تعجب كثيرين ممن يغارون على اللغة العربية، بالذات استخدامها في هذا المكان الذي يستدعي دلالات ورمزية تاريخية حيث يرتبط بوسط العاصمة الذي تم إعادة تأهيله حتى يحافظ على هويته التاريخية.
هذه اللوحة لم تدم، فتمت إزالتها، لذا فرحنا وغمرنا الأمل وارتفعت معنوياتنا، وقلنا: لعل حالة الحزم والعزم والغيرة على لغتنا الوطنية تتواصل حتى يتم استبدال لوحات عديدة متواجدة لمسميات اجنبية في مشاريع ومواقع ومحلات تجارية في مدننا السعودية بحيث نستبدلها بمسميات عربية تواكب هويتنا الوطنية.
وهذه المبادرة من المسؤولين تعكس ما كنا نقوله: وهو أن الإرادة السياسية لن تتأخر في دعم تنفيذ الأنظمة التي تحمي الهوية الوطنية واللغة العربية.
ففي هذا الأمر ليس لدينا فراغ في التنظيم، فالجانب التشريعي في المملكة – كما ورد في مقدمة السياسة الوطنية للغة العربية- نلمسه في العديد من الأنظمة والقرارات الصادرة وعددها (200)، وجميعها تؤكد على العناية باللغة العربية. نحتاج الحزم في إنفاذ الأنظمة حماية لهيبة الدولة.
حادثة (سوق الزل) تتطلب التأكيد على أهمية توعية المسؤولين والقادة الاداريين وتأهيلهم لفهم وإدراك الأمور السيادية للدولة. فـ (بعض) المسؤولين التكنوقراط الحديثي عهد بالإدارة والقيادة قد يكون لديهم عدم وضوح في فهم الأمور التي تمس اللغة واستخداماتها وعلاقتها بالأمور مثل الهوية الوطنية. وربما هؤلاء قد لا يدركون أن واجبهم الوطني - قبل الوظيفي – يفرض عليهم وضع أمور اللغة العربية في قائمة المهام والأوليات للمسؤولية الوظيفية والتي (يجب أن يباشرها القيادي بنفسه ولا يجوز تفويضها).
في المقدمة للسياسة الوطنية للغة العربية، تمت الإشارة إلى الهدف الأسمى والغاية الكبرى من إقرار هذه السياسة. وجاء فيها التالي:
«وتأتي هذه السياسة لتكون مظلة عامة تمثل اُلموجهات الرئيسة والمبادئ العامة والمنطلقات الأساس تجاه اللغة العربية، بما يعزز مكانتها ويرسخ فاعليتها الحضارية والتنموية، اتساقًا مع الدور الجوهري والرئيس للمملكة في الحفاظ على الثقافة والهوية العربيتين والإسلاميتين، ومركزيتيهما العالميتين».
والاهتمام باللغة العربية يعود لسنوات التوحيد الاولى، وكُرس هذا الاهتمام في النظام الأساسي للحكم، الصادر عام 1412هـ، الذي نص على أن «المملكة العربية السعودية، دولة عربية إسلامية، ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولغتها هي اللغة العربية، وعاصمته مدينة الرياض». وهذا فيه تأكيد واضح على أن العربية ركيزة أساس في الهوية الوطنية السعودية.
والآن دعم اللغة العربية وتمكينها وتعزيز مكانتها محليًا ودوليًّا، يعمل عليها (مجمع الملك سلمان للغة العربية)، فالمجمع قدم العديد من المبادرات النوعية لإبراز قيمتها المعبّرة عن العمق اللغوي للثقافة العربية والإسلامية. والأمر المهم في السياسة الجديدة هو (إلزام المجمع بإصدار تقرير متابعة) للتأكد من تطبيق هذه السياسة، حتى لا تتحول إلى مجرد تنظيم يفقد هيبته كما هو حال الـ(200) قرار.
وتعزيز هذه الجهود التاريخية والحالية تتطلب مبادرة المسؤولين والقيادات التنفيذية في جميع القطاعات بضرورة الالتزام بالسياسات الوطنية الحاكمة لاستخدام اللغة العربية، كما رأيناه في خطوة إزالة لوحة سوق الزل، وهي ليست مجرد رد فعل ظرفي، بل تعكس وعيًا عميقًا بأن اللغة العربية تمثل ركيزة السيادة والاستقلال الثقافي، كما حددتها السياسة الوطنية التي تؤكد على أن «اللغة سيادة، اللغة استقلال، اللغة أمن ثقافي، اللغة هوية، واللغة مركزية لدى الأطفال».
وربما الذي قد يساعد مجمع الملك سلمان في مهمته الوطنية لمتابعة ومراقبة استخدام اللغة العربية، كما جاء في المبادئ الثمانية التي وردت في السياسة، هو مبادرة المركز في العمل على عدد من الخطوات ومنها:
أولاً: مراجعة الأنظمة السابقة التي أجازت بعض الممارسات التي تتنافى مع هذه السياسة مثل (نظام الأسماء التجارية) الذي أجاز استخدام الألفاظ أو الحروف أو الأرقام غير العربية للأسماء التجارية.
وسبق أن تطرقنا لهذا الأمر في مقال نشر في جريدة الجزيرة بعنوان (بعد الزي الوطني.. ماذا عن اللغة العربية؟) بتاريخ 01 مايو 2024، وجاء بعد موافقة مجلس الشورى على مقترح تعديل المواد في نظام الأسماء التجارية التي تتيح التوسع في استخدام الألفاظ والحروف غير العربية للمسميات التجارية، وكنا نتمنى عدم موافقة الأعضاء لأن هذا الأمر يرتبط بهوية البلاد. فـ«التوسع في هذا سوف يجعل الزائر الذي يتجول شورعنا ربما يظن أنه ليس في بلد عربي! وسوف يرى المفارقات. شوارع تعلو فيها المآذن وتغمرها الأسماء واللوحات للمحلات التجارية باللغة الإنجليزية!»
ثانياً: تفعيل دور الجمعيات الخيرية والمؤسسات المانحة والأوقاف والجمعيات العلمية الداعمة والمهتمة باللغة العربية، ودعم مبادراتها ومشاريعها الوطنية في اللغة العربية.
ثالثاً: إصدار (تطبيق رقمي خاص) يتيح للجمهور الإبلاغ عن المخالفات لهذه السياسة، مع ضمان الخصوصية والسرية للمبلغين بالذات للعاملين في الكيانات والمنشآت العامة والخاصة. واستثمار الحس الشعبي نجحت فيه عدة قطاعات حيث أصبح المواطن (شريك إيجابي) في تفعيل وتسهيل وتقليل تكاليف تطبيق الأنظمة.
هذه الخطوة لها اثار ايجابية وطنية وفنية غير مباشرة، فالمشاركة الشعبية في الرقابة سوف توجد الضغط لتطبيق الأنظمة، وتدفع للحذر من مخالفتها تحاشيا للعقاب المعنوي والاخلاقي؛ فالجمهور والنخب لن تتردد بالإبلاغ عن المخالفات، كما حدث مع واقعة (سوق الزل). وهذا حراك إيجابي يسر ويُفرح ولي الأمر حين يرى مبادرة الناس للدفاع عن مصالح بلادها العليا.
حينئذٍ عدم احترام اللغة العربية سوف يكون مؤشرا سلبيا لمخالفة الثوابت الوطنية.
وما نرجوه من هذه المبادرة هو علاج حالة الخلل الثقافي الذي أدركنا، حيث أصبح بعض المسؤولين يرى ان (استخدام اللغة الإنجليزية) مؤشر على التقدم والوعي الحضاري، وربما هذا دافعهم للإصرار على استخدامها! إذا أدخلنا الوجدان الشعبي في التفاعل والرقابة لتمكين واحترام اللغة العربية، فقد يرتدع المجاهرون بالمخالفة للنظام.
ومن هنا تبدأ رحلة التحول الإيجابي حين يكون الحديث بغير العربية مؤشر إحساس بالنقص الثقافي والحضاري، وهذا واضح في مستهدفات السياسة، أي إحداث التحول النفسي والفكري.
رابعاً: نتطلع إلى مبادرة مجمع الملك سلمان لإعداد (حقائب تدريبية واثرائية إجبارية) للقيادات الإدارية لتعزيز الوعي لدى القيادات الإدارية الجدد لإدراك الروابط بين اللغة والهوية الوطنية.
علاج الضعف الثقافي يتم عبر تنفيذ برامج تأهيلية متخصصة لتدريس وتثقيف هؤلاء القادة لفهم الأبعاد السيادية والحضارية، لمنع ممارسات مشابهة لواقعة سوق سوق الزل. والمستهدف من هذه المبادرة بناء مجتمع يعي أهمية اللغة العربية كأداة لنقل القيم والتراث عبر الأجيال. الآن وفي ظل التحولات الرقمية والعولمة، يصبح دور المسؤولين حاسمًا في الحفاظ على (الأمن الثقافي)، كما وصفته السياسة، مما يعزز الشعور بالانتماء الوطني ويرفع من مكانة المملكة كمركز حضاري عالمي.
خامساً: ثمة مبادرة أخرى لتعظيم مكانة اللغة العربية، وهي تشجيع طلاب المرحلتين الإعدادية والابتدائية لـ(حفظ القرآن الكريم). إذا نشاء جيل حافظ للقرآن، فإن بركة كتاب الله سوف تنعكس على سلامة اللسان وقوة الشخصية، وتجعل قيم الاعتزاز والاحترام والتقدير للغة العربية امراً ينبع من اللاوعي ويصبح أسلوب حياة يوجّه السلوك. هذا هو الحل الإستراتيجي لحفظ الهوية الوطنية.
مثل هذه الأمور -وهناك غيرها وأفضل منها- إذا تم الأخذ بها، فسوف تساعد المسؤولين والقيادات التنفيذية في الالتزام بالسياسة الوطنية للغة العربية، وسوف تعظم منافع هذه الخطوة الاستراتيجية لتعزيز الهوية الوطنية السعودية. إنها ليست مجرد تنفيذ تشريعي، بل استثمار في المستقبل الثقافي للمملكة، وضمان لاستمرار الدور الريادي لبلادنا في الحفاظ على اللغة العربية كرمز للسيادة والحضارة.
***
مما يتم تداوله من طرائف حول اللغة العربية، أذكر وحدة منها، وجاء فيها ان معهداً مصريا للتعليم في الأربعينيات استقدم أستاذاً هندياً، وكان لا يتكلم إلا بـ(الفصحى)، فاستغرب حديث الطلاب بالعامية، فضلاً عن أخطائهم اللغوية، وقرر أن ينهي تعاقده ويعود لبلاده. فسأله عميد المعهد:
- عايز تسيبنا ليه، احنا زعلناك في حاجه؟
- فرد عليه: أخاف على عربيتي!
- العميد: طب ما تسيبها في الكراج!
هذا قبل قرنٍ تقريباً.. والان نقول: لعلنا لا ندرك ذلك اليوم الذي يزور الأجانب الدول العربية ولا يسمعوا العربية، لأنها عطلانة في الورشة!