أ.د.صالح معيض الغامدي
كتب بعد قراءتي لكتاب سعيد السريحي (خارج الأقواس: سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد) تغريدة مطولة نسبيا عنه، ومما قلت فيها: « على الرغم من الإرباك الأجناسي الذي قد يسببه الكتاب، فقد رأيت أنه ينتمي إلى جنس التخييل الذاتي، أو تخييل السيرة الحقيقية للكاتب، فالبطل /السارد هو السريحي وليس السريحي في آن معا!!
فالكاتب يمزج بطريقة مذهلة ومهارة فائقة بين بعض أحداث سيرته الحقيقة وما تختلقه مخيلته وأحلامه وكوابيسه وتوهماته وخطراته من أحداث وحكايات ومواقف ورؤى، لينتج نصا سرديا ذاتيا جميلا ومثيرا وثريا.
فعلق علي السريحي بقوله:
«حياك الله يا صديقي..
أشكر لك كريم اهتمامك بالكتاب وعنايتك به، وقد استوقفتني كلماتك في تصنيفه ولا أشك أنه خير تصنيف يمكن أن يندرج تحته هذا الكتاب..
وأنتظر منك أي نقد للكتاب فبمثلك تتبين لي ملامح نهج في الكتابة كنت أتهيب ولوجَه وأشاغل نفسي بالنقد عنه…».
وتعرضت لهذا الكتاب في محاضرة لي في ينبع بعنوان « السيرة الذاتية بين الواقع والمتخيل»، ذكرت فيها أن بعض كتاب السيرة عندنا، لكي يتفادوا البوح الصريح ويمارسوا أكبر قدر من الحرية في كتابة سيرهم الذاتية، فقد كتبوا سيرهم الذاتية بطريقة مراوغة أو مبتكرة تجمع بين الحقيقة والاختلاق:
«ولتفادي هذه الإشكالية نجد أن بعض الكتاب السعوديين والكاتبات مثل هند عبد الرزاق في كتابها «سيرة الحب: ذات غيرية» 2015م، وسعيد السريحي في كتابه «الحياة خارج الأقواس: سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد» 2020م، قد لجؤوا إلى كتابة ما يعرف بـ«التخييل الذاتي» الذي يمكّن الكاتب من المزج بين الحقيقة والخيال في نصوصه السيرذاتية بطريقة واعية، ويبدو وكأنه يقول لنا، كما ذكر هيوز: «هذا أنا ولست بأنا» في آن معًا.»
كما أنني قد أشرت إلى هذا الكتاب في مقال لي بعنوان « التقييد العنواني في السيرة الذاتية»، وبينت أن من بين أهم الوظائف التقييدية وظيفة إرباك أو خلخلة مفهوم السيرة الذاتية التقليدية، وبالتالي « إرباك تجنيس العمل السيرذاتي، كما نجد في « الحياة خارج الأقواس: سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد» لسعيد السريحي، وفي « سيرة الحب: ذات غيرية» لهند عبد الرزاق. ففي هذين العنوانين الفرعيين محاولة من الكاتبين لإرباك المتلقي أيا كان وإيهامه بأن العمل ليس سيرة ذاتية صريحة، وعلى المتلقي أخذ ذلك في الحسبان عند قراءة العمل. ولا يخفى علينا هنا البعد الإرباكي الإغرائي الذي يحمله هذان العنوانان الفرعيان، فنفيُ الذاتية عن هذين العملين السيرذاتيين هو عند بعض القراء دعوة غير مباشرة لتوكيدها بصورة أو بأخرى».
وسعيد السريحي -يرحمه الله- يشترك ربما مع رولان بارت وجاك دريدا وبول دي مان في القول باستحالة كتابة السيرة الذاتية استنادا إلى المفهوم التقليدي للذات المتمركزة حول نفسها في الحضارة الغربية وربما لاحقا في الثقافة العربية، ويكاد يلتقي أيضا مع تيري إيجلتون في موقفة من» السيرة الذاتية المضادة» التي هي نوع من السيرة الذاتية التي يسعى فيها كاتبها إلى إحباط رغبته الذاتية في إظهار نفسه، وإحباط قارئه في الدخول إلى حياته الخاصة. فالسريحي يرى [وأنا هنا اعتمد اعتمادا أساسيا على ما ذكره السريحي في لقائه مع المديفر في برنامج (في الصورة)، الموسم الثاني] أن « الحياة خارج الأقواس ليس سيرة ذاتية، وإنما هو محاولة لفهم السيرة الذاتية، أن أغمض عيني لأراني، لكي أفهمني كما ينبغي أن يفهم المرء نفسه ….» فكتابة السيرة الذاتية عند السريحي هي محاولة لزعزعة ثلاثة مفاهيم مهيمنة أراد تفكيكها، كما يقول: (1) مفهموم الذات المستقلة التي تقوم على العجب بالنفس، (يقابلها الآخر في داخلنا منذ ابتداء الخليقة)، [ومن هنا نفهم إهداءه الغريب « إلى ذكراهم جميعا … أولئك الذين يسكنونني.. سعيد». و(2) مفهوم الواقع الذي يحصر الإنسان ويقيده (ويقابله الخيال والتخييل الذي يمارسه السريحي في كتابه)، و(3) مفهوم العقل الذي يصادر كل قوة خفية للإنسان»(يقابله الجنون والخرف والقوى الخفية الأخرى). إن كتابه هذا لهو محاولة لفهم السيرة الذاتية، فهمًا «يكون فيه من محوها أكثرُ من كتابتها».
ففي كتاب (خارج الأقواس) تتداخل فيه الأزمنة وتتشظى فيه الشخصية وتعبرُ الزمنَ على صورة أجيال، فاختلاق المدعو سعيد في الكتاب هو كما يقول السريحي « لترك مسافة بيني وبيني، أكون فيها أنا الناظر والمنظور، أنا الكاتب والمكتوب..» فقد ألغى السريحي قوسي الولادة والموت من كتابه وأصبح يكتب عن ذاته منذ بدء الخليقة بوصفه إنسانا إلى نهايتها، وهذا ما توصله عبارة الاستهلال « هذه الأوراق كتبت في زمن قد يجيء وقد لا يجيء «.
أما موضوعة الموت التي تحضر بقوة في هذا الكتاب فهي استراتيجبة واحدة من الاستراتيجيات التي استعان بها السريحي لتحقيق مشروعه هذا، فالموت عنده هو أحد أليات « نزع العجب والزهو الذاتيين والافتتان بالحياة، فالموت هو المرتبة المشتركة التي نصل إليها جمعا، وليس هناك أكثر فضحا لهذه الذات المتباهية بنجاحاتها» [كما نرى عادة في كثير من السير الذاتية التقليدية السعودية)] من أن تموت، أو تنمحي، ولكن هذا الموت هو الموت الذي تولد منه الحياة مرة أخرى، كأنما القبور فواصل بين جمل الحياة، كما يقول السريحي. ومن اللافت هنا تقاطع فكرة السريحي حول السيرة الذاتية بوصفها موتا مع فكرة بول دي مان التي طرحها في مقالته الشهيرة بعنوان « السيرة الذاتية بوصفها تشويها” للوجه أو الذات، أو الهوية «autobiography as defacement»، المنشورة عام 1979م، أي أن كتابة السيرة الذاتية هي عملية «مخادعة ومستحيلة تؤدي إلى موت الكاتب الرمزي عوضا عن تخليده».
والموت في سيرة السريحي ليس هو ما تنتهي إليه الحياة، بل هو المصاحب لها، «فالطفولة تموت فينا والشباب يموت فينا والشيخوخة تموت فينا…»، إلا أن هذا الموت عند السريحي هو الموت الذي تولد منه الحياة مرة ثانية.
وفي هذا التصور للموت لم يمت سعيد السريحي، بل انتقل إلى حياة أخرى هي الحياة الأبدية في جنة الخلد بإذن الله تعالى.