إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
لرمضان في ذاكرة المدن والقلوب طعم خاص فهو ليس مجرد توقيت زمني للعبادة إنما هو حالة شعورية تسمو فيها الأرواح وتتقارب المسافات، وفي ليالي الرياض الساحرة حيث يمتزج عبق القهوة بنسيم المساء الدافئ تكتسب اللقاءات الرمضانية صبغةً مغايرة حين تتحول من مجرد اجتماعات عابرة إلى صالونات ثقافية تعيد إحياء «أدب الحوار» واستنطاق الجمال. إن دمج الفن التشكيلي بطقوس رمضان الثقافية يخلق جسراً فريداً يربط بين التجلي الروحاني والفيض الإبداعي محولاً الأمسية إلى محترف فكري يغذي البصيرة كما يغذي البصر.
تاريخياً كانت الصالونات الفنية والحوارات الثقافية هي المختبر الحقيقي لولادة المدارس الإبداعية الكبرى في العالم فمن مقاهي «مونمارتر» في باريس إلى مجالس الأدب في بغداد ودمشق والقاهرة كان الحوار هو القوة الناعمة التي تصيغ الوعي المجتمعي واليوم يأتي «مداد الفن» ليؤكد أن الفن التشكيلي ليس مجرد لوحة صامتة معلقة على جدار بارد بل هو كائن حي يتنفس من خلال الأسئلة ويتمدد عبر التأويلات ويكتمل فقط حين تلامسه عين الرائي وتناقشه عقول المحبين.
مع إطلالة الليلة الثالثة من شهر رمضان المبارك، شرعت «آي في جاليري» (AV Gallery) أبوابها لتحتضن هذا الحراك الجمالي الذي يستمر حتى منتصف الشهر (15 رمضان) حيث لم تكن هذه الأمسيات مجرد عرض للأعمال الفنية، بل تحولت إلى نقطة جذب استثنائية استقطبت نخبة من الفنانين التشكيليين والمثقفين والهواة الذين يخطون خطواتهم الأولى في عالم اللون وصولاً إلى المتذوقين الذين يبحثون عن إجابات لفضولهم الجمالي.
في هذا المشهد المتكامل تلاشت الفوارق الطبقية والمعرفية وانصهر الجميع في بوتقة «الحوار التشكيلي». ليتعلم الفنان من انطباع الهاوي العفوي، ويستقي الهاوي من خبرة الفنان الأكاديمي، لينتج عن ذلك لوحة فكرية جماعية تفوق في قيمتها العمل الفني المفرد. إنه تعليمٌ متبادل يحدث في جو من الألفة بعيداً عن صرامة القاعات الدراسية وجفاف المحاضرات التقليدية.
وفي سياق هذه التجربة الثرية، أكد الأستاذ عبدالله الأحمري، رئيس «آي في جاليري»، أن هذه الأمسيات ولدت من رحم الحاجة إلى مد جسور حقيقية بين المبدع والمتلقي وفي تصريح يعكس عمق الرؤية المنظمة، قال الأحمري:
«إننا في (مداد الفن) نسعى جاهدين لكسر تلك الحواجز التقليدية التي طالما فصلت بين الفنانين وجمهورهم هدفنا لا يتوقف عند حدود العرض البصري، بل يتجاوزه نحو مناقشة القضايا الجوهرية التي تشغل الساحة التشكيلية اليوم نحن نعمل على تشريح التحديات واقتراح حلول إبداعية وابتكار فرص حقيقية تساهم في الارتقاء بالفن التشكيلي السعودي ووضعه في مكانه اللائق عالمياً».
وأضاف الأحمري أن الجاليري يطمح عبر هذه الحوارات إلى إيجاد بيئة خصبة تساهم في تطوير أدوات الفنان السعودي، وفتح آفاق استثمارية ومعرفية تجعل من الفن رافداً حيوياً في مسيرة التنمية الثقافية التي تعيشها المملكة.
لم تكتفِ الأمسيات بالنقاشات العامة، بل غاصت في أعماق التجربة الفنية من خلال «قراءات نقدية» حية لأعمال تشكيلية عُرضت على الشاشة، حيث تم تفكيك الرموز وتحليل الخطوط والظلال بأسلوب تشاركي ممتع. كما شهدت الجلسات استضافات نوعية لفنانين سعوديين وعرب مرموقين، نقلوا تجاربهم الذاتية، وتحدثوا عن صراعاتهم مع القماش الأبيض، وكيفية تحويل الفكرة المجردة إلى واقع مرئي. هذه الشهادات الحية منحت الحضور فرصة ذهبية للاقتراب من «مطبخ الإبداع» وفهم فلسفة الفن من منابعه الأصيلة.
تظل فعالية «مَداد الفن» أكثر من مجرد أمسيات رمضانية؛ إنها دعوة لاستعادة إنسانيتنا من خلال الجمال، وتذكير بأن الحوار هو السبيل الوحيد لنمو الثقافة وازدهارها. لقد نجحت هذه اللقاءات في إثبات أن المجتمع السعودي متعطش للفنون، وأن الفن التشكيلي قادر على أن يكون لغة تجمع القلوب والعقول في آن واحد. ومع اقتراب هذه الأمسيات من ليلتها الخامسة عشرة، يبقى الأثر الذي تركته «مَداد الفن» محفوراً في ذاكرة الحضور، كبذرة ستنمو حتماً لتثمر جيلاً أكثر وعياً، وتذوقاً، وإبداعاً.
** **
إكس: AL_KHAFAJII