بين أروقة جمعية الثقافة والفنون بالدمام، انبعث عبق الذاكرة وتجلت ملامح الهوية في تظاهرة فنية حملت عنوان «أجواء رمضانية»، انطلاقاً من الإيمان العميق بأن التصوير الفوتوغرافي ليس مجرد حبسٍ للضوء أو ضغطة زر عابرة، بل هو فعلٌ إبداعي سامٍ يمتلك القدرة السحرية على ترويض الوقت وإيقاف عجلة الزمن عند لحظة هاربة وتجميدها في إطار يخلدها للأبد، لتتحول تلك الغفلة من الزمن إلى وثيقة بصرية وقصة إنسانية تقاوم النسيان وتظل نابضة بالحياة عبر الأجيال كشاهد لا يشيخ على تفاصيل وجودنا، حيث افتتحت الأبواب مساء الأحد لتكشف عن رؤى بصرية صاغها المبدعون منصور آل حسن ونذير العسيف ونسيم العبد الجبار عبر قرابة خمس وعشرين لوحة فوتوغرافية، تسرد في طياتها ملاحم يومية من الحياة الأسرية والاجتماعية التي تفيض بها ليالي الشهر الكريم في المنطقة الشرقية، موثقةً بعين المحب لحظات القرقيعان الدافئة ويوميات الشارع التي تأصلت في الوجدان السعودي كجزء لا يتجزأ من استدامة التراث ومواكبة رؤية المملكة الطموحة التي تعتز بالماضي لبناء المستقبل.
وفي جولة بين هذه العوالم البصرية، تأخذنا عدسة نسيم العبد الجبار في رحلة وجدانية إلى أزقة حي الشويكة القديم، لترصد بعين الأنثروبولوجي تلك العودة الحميمية للأهالي إلى جذورهم وتشبثهم بملامح حيهم رغم ورش التطوير والتحسين القائمة، في مشهد إنساني مهيب يجسد تلاحم الأجيال ويشبه عودة الأحفاد لدفء دار الجد لاستعادة ذاكرة لا تمحوها الحداثة، حيث يبرع في ملامسة أعمق المشاعر عبر تضاد الأبيض والأسود بجلاله وحياد الألوان باتساعها ليعكس جوهر تفاعل الإنسان مع أركان مكانه وتاريخه، وبذات الشغف الذي يرى في العادات تفاصيل ثرية تستحق أن تُروى.
ينقلنا منصور آل حسن إلى تفاصيل مهنة «المسحراتي» في بلدة سنابس، مقدماً الحاج أحمد إبراهيم الذي حمل أمانة هذا الإرث الجميل عن أبيه منذ تسعينيات القرن المنصرم، ليجوب الطرقات بأهازيجه التي توقظ القلوب قبل الأجساد، فتجتمع حوله الابتسامات الواقعية الصادقة التي تعيد للروابط الإنسانية بريقها بعيداً عن صخب العالم الافتراضي ورسائله الجافة، أما نذير العسيف المتخصص في التصوير السردي فقد اختار أن ينسج من خيوط الإيمان والتقدم في العمر لغة بصرية خاصة، مراقباً من خلال نظرة دهشة في عيون ابنته وانتظارها الملهوف للأذان وتلك الأسئلة البريئة عن معنى الصيام، ليحول اللحظات الصغيرة العابرة إلى حكاية عائلية خالدة تحفظ ملامح هوية فطرية لا يمكن استبدالها بماديات العصر.
ومع إسدال الستار على هذا المعرض يوم الخميس السادس والعشرين من فبراير، تتأهب الجمعية لفتح نافذة أخرى على الجمال في الأسبوع المقبل عبر معرض «بدايات 2» المستلهم من سحر طبيعة الوطن وعمق هويته، لتؤكد جمعية الثقافة والفنون بالدمام من خلال هذه الأنشطة المتلاحقة دورها الريادي بوصفها شرياناً حيوياً يغذي الجسد الثقافي وحاضنةً تحتضن الأحلام الفنية ومنارة ترفد الحراك الإبداعي في المنطقة بأسرها، فهي لا تكتفي بكونها منصة لعرض الفنون بل هي مختبرٌ لصناعة الوعي الجمالي وجسرٌ يعبر بالمتلقي نحو آفاق رحبة من التذوق، مكرسةً مجهوداتها ليكون الفن لغةً يومية تساهم في صياغة مشهد حضاري يجمع بين أصالة الجذور وتطلعات الغد المشرق، مما يجعلها القلب النابض الذي يمنح المثقفين والفنانين فضاءً لا يحد لنمو مواهبهم وإثراء المحتوى الثقافي الوطني بكل ما هو سامٍ ونبيل.