محمد العشيوي - «الجزيرة»:
في سياق التحولات التي تشهدها الدراما السعودية، لم تعد الشخصيات النسائية مجرد امتداد تقليدي لأدوار نمطية قائمة على الانفعال أو التبعية، بل أصبحت مساحة إنسانية أوسع تعكس الوعي والتحولات الاجتماعية والنفسية التي يعيشها المجتمع.
ومن هذا المنطلق، برزت شخصية «الجازي» في مسلسل شارع الأعشى بوصفها نموذجًا دراميًا يعكس هذا التحول، حيث قدّمت شخصية قائمة على العمق الداخلي أكثر من التعبير الخارجي، وعلى الوعي أكثر من المواجهة، في تجربة تعكس نضجًا واضحًا في بناء الشخصية النسائية داخل الدراما السعودية.
وأوضحت أميرة الشريف (للجزيرة) أن قراءتها الأولى لشخصية (الجازي) كشفت لها عن شخصية صامتة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها عالمًا غنيًا بالصراعات والأسئلة، وأشارت إلى أن هذا الصمت لم يكن فراغًا، بل امتلاء إنساني معقد، مؤكدة أنها شعرت بفضول تجاه الشخصية لأنها لا تكشف ذاتها بسهولة، وتُبقي مسافة بينها وبين الآخرين، وكأنها تحمي نفسها من خلال هذا الحاجز الهادئ. هذا البُعد النفسي، بحسب الشريف، كان مفتاحًا أساسيًا لفهم الشخصية وتجسيدها بصدق.
وبيّنت أن بناء (الجازي) نفسيًا استند إلى فكرة الإنسان الذي تعلّم مبكرًا أن كتمان المشاعر وسيلة للبقاء، في ظل تراكمات من الخذلان والتجارب القاسية.
وأكدت أن الشخصية تعيش حالة مستمرة من التوازن بين هشاشتها الداخلية وصلابتها الخارجية، وهو ما منحها عمقًا إنسانيًا جعلها قريبة من واقع كثير من النساء اللواتي يواجهن ضغوطًا اجتماعية دون أن يفقدن وعيهن أو قوتهن الداخلية.
الجازي تعكس نضج الدراما السعودية
ولفتت الشريف إلى أن التحولات التي مرت بها (الجازي) جاءت بشكل تدريجي، معتبرة أن هذا التدرج يعكس واقعية التحول النفسي للإنسان، حيث لا تحدث التغيرات الحقيقية بشكل مفاجئ، بل نتيجة تراكم التجارب، وأوضحت أنها حرصت على تجسيد هذا التحول من خلال التفاصيل الدقيقة في الأداء، مثل النظرات ولغة الجسد، مشيرة إلى أن الصمت في بعض الأحيان يكون أبلغ من الحوار، لأنه يعكس ما تعجز الكلمات عن التعبير عنه.
وأكدت أن الجازي لم تعتمد على المواجهة أو الانفعال لتأكيد حضورها، بل على قوة داخلية هادئة، وهو ما يمثل تحولًا مهمًا في صورة المرأة داخل الدراما، وأوضحت أن هذه الشخصية تقدم نموذجًا مختلفًا للمرأة، لا يقوم على رد الفعل، بل على الوعي، ولا على الصدام، بل على إدراك الذات، هذا التحول يعكس، بحسب الشريف، نضجًا في الطرح الدرامي، حيث أصبحت المرأة تُقدَّم بوصفها كيانًا مستقلًا يحمل رؤيته وتعقيداته، وليس مجرد عنصر تابع لمسار الأحداث.
وأضافت أن (الجازي) تمثل صوتًا إنسانيًا صامتًا لقضايا عميقة، مثل الكبت العاطفي، والضغوط الاجتماعية، والبحث عن الهوية، وهي قضايا تعكس واقعًا يعيشه كثيرون.
واختتمت أميرة الشريف حديثها بالتأكيد على أن الرسالة الأهم التي تحملها شخصية “الجازي” هي أن القوة ليست بالضرورة صاخبة، وأن الهدوء قد يكون شكلًا من أشكال الوعي والنضج.
وأضافت أن الفن الحقيقي هو القادر على طرح شخصيات تشبه الناس، وتمنحهم فرصة لرؤية أنفسهم داخل العمل، مؤكدة أن هذا النوع من الطرح يساهم في تعزيز الوعي المجتمعي، وفتح مساحة أوسع لفهم أعمق لصورة المرأة ودورها في الحياة والدراما على حد سواء.