خالد محمد الدوس
في عالم يئن تحت وطأة التغير المناخي وتحدياته، تبرز المملكة العربية السعودية كلاعب رئيسي ليس في صناعة الطاقة فحسب، بل في صناعة مستقبل أكثر استدامة. إذ لم تعد الأم الحنون (البيئة) مجرد ملف جانبي في أجندة التنمية، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في صلب «رؤية 2030»، لتكتب المملكة فصلًا جديدًا في علاقتها مع الطبيعة.
منذ إطلاق رؤية المملكة الطموحة، لم تّعد «الاستدامة البيئية» مجرد شعارات ترفع في المؤتمرات، بل أصبحت مشاريع تُرى بالعين المجردة. ففي وقت يتسابق فيه العالم لخفض الانبعاثات، أطلقت السعودية «مبادرة السعودية الخضراء» و»مبادرة الشرق الأوسط الأخضر»، لتؤكد أن حماية الكوكب مسؤولية إقليمية ودولية لا تقبل التأجيل!.
تعرف «الاستدامة البيئية» كمفهوم في حقل (علم اجتماع البيئة) بأنها ممارسة التعامل مع الموارد الطبيعية بطريقة تضمن تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة وحصة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها. وبعبارة أبسط هي « العيش في حدود قدرة الكوكب على الاحتمال»..!
وحسب معطيات هذا الحقل الخصيب تقوم «الاستدامة البيئية» على ثلاثة أبعاد رئيسية مترابطة.. وهي أولاً: البعد البيئي وهو الحفاظ على النظم البيئية والتنوع الحيوي والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية مثل المياه والهواء والتربة والغابات، وهذا البعد - لا مناص - يهدف إلى تقليل مظاهر التلوث البيئي، وخفض الانبعاثات وحماية الكائنات الحية من الانقراض.. وثانيا ً البعد الاقتصادي.. ويقصد به تحقيق النمو الاقتصادي بطرق لا تستنزف الموارد الطبيعية، أي الانتقال من نموذج «الاقتصاد الخطي» (استخراج – استهلاك - تخلص) إلى «الاقتصاد الدائري» (إعادة الاستخدام والتدوير) مع الاستثمار في التقنيات النظيفة والطاقة المتجددة. أما البعد الثالث والأخير في حلقة (الاستدامة البيئية) فهو البعد الاجتماعي ويشمل تحقيق العدالة في توزيع الموارد وتحسين جودة حياة البشر، وضمان حصول الجميع على بيئة صحية نظيفة بصرف النظر عن الطبقة أو المنطقة الجغرافية أو النوع الاجتماعي.
ربما كان المفاجئ للكثيرين أن المملكة أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم تسير بثبات لتصبح رائدة في الطاقة النظيفة. مشروع «نيوم» ليس مدينة فحسب، بل وعد بمستقبل خالٍ من الكربون. وهي امتداد للكثير من مشاريع الطاقة المتجددة في بعض مدن مملكتنا الغالية التي تشمل مشاريع الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح الرائدة التي تندرج تحت مظلة رؤية 2030 الطموحة، والبرنامج الوطني للطاقة المتجددة. بينما يتجه صندوق الاستثمارات العامة ليكون أكبر مستثمر في الطاقة النظيفة عالميًا.
لم تكتفِ المملكة باستيراد حلول جاهزة، بل قدّمت للعالم نموذج «الاقتصاد الدائري للكربون»، الذي تبنته قمة مجموعة العشرين. هذه الرؤية الذكية لا تتعامل مع الانبعاثات كعدو يجب القضاء عليه، بل كمورد يمكن إدارته، عبر خفض الانبعاثات وإعادة استخدامها وتدويرها وإزالتها.
«زراعة 10 مليارات شجرة».. رقم يبدو خياليًا في بلد صحراوي، لكنه أصبح هدفًا وطنيًا. هذه المبادرة ليست ترفًا بيئيًا، بل ضرورة لمكافحة التصحر وتحسين جودة الحياة. فالمساحات الخضراء في المدن السعودية تتسع، ومحميات الحياة الفطرية تستعيد حيوانات كانت على وشك الانقراض، مثل المها العربي والنمر العربي.
الاستدامة اليوم في السعودية ليست حكرًا على القطاع الحكومي. القطاع الخاص يدخل بقوة في مشاريع الطاقة المتجددة، والمواطن أصبح أكثر وعيًا بترشيد الاستهلاك وإعادة التدوير. المدن الذكية لم تعد خيالًا علميًا، بل خريطة طريق للمدن القادمة.
ما يحدث في مملكتنا الغالية.. يتجاوز كونه مجرد مشاريع بيئية. إنه تحول نموذجي في مفهوم التنمية ذاتها. فبينما يكافح العالم للتوفيق بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، تقدم المملكة نموذجًا يثبت أن الطموح المناخي والازدهار الاقتصادي يمكن أن يسيرا جنبًا إلى جنب.
وأخيراً وليس آخراً.. الاستدامة في مجتمعنا الفتي.. ليست رفاهية، وليست موضة عابرة. بل ضرورية، وهي عقد أخلاقي بين جيل اليوم وأجيال الغد.. إنها استثمار في المستقبل، وإرث للأجيال القادمة، ودليل على أن الحضارة الحقيقية تقاس ليس بما نأخذه من الأرض، بل بما نتركه لها.