د.عبدالرحيم محمود جاموس
يمثّل توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بتكثيف جسور الإغاثة البرية والجوية والبحرية إلى قطاع غزة، محطة إنسانية وسياسية بالغة الأهمية، في ظل كارثة غير مسبوقة يعيشها القطاع نتيجة العدوان والحصار والتجويع.
فهذا القرار لا يندرج في إطار المساعدات الطارئة فحسب، بل يعكس رؤية سعودية ثابتة تعتبر دعم الشعب الفلسطيني التزامًا أخلاقيًا وقوميًا وإنسانيًا لا يخضع للظروف أو الحسابات الآنية.
أهمية هذا الدعم تكمن أولًا في توقيته، إذ يأتي في لحظة يواجه فيها أكثر من مليوني فلسطيني في غزة انهيارًا شبه كامل في المنظومة الصحية، ونقصًا حادًا في الغذاء والدواء والمياه، وتدهورًا خطيرًا في أوضاع النازحين، خصوصًا الأطفال والنساء وكبار السن.
كما تتجلى أهميته في طبيعته الشاملة، حيث اعتمدت المملكة مسارات متعددة للإغاثة، برًا وجوًا وبحرًا، في محاولة جدية لكسر اختناقات الحصار، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها بأسرع وقت ممكن.
ولا يمكن فصل هذا القرار عن سجل المملكة الطويل في دعم الشعب الفلسطيني، ولا سيما قطاع غزة.
فقد كانت السعودية في مقدمة الدول التي أطلقت جسورًا جوية وبحرية خلال جولات العدوان السابقة، وأسهمت عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية في تقديم آلاف الأطنان من المساعدات الغذائية والطبية، ودعم المستشفيات والمراكز الصحية، والمشاركة في إعادة إعمار ما دمره العدوان. كما قدّمت المملكة، على مدار سنوات، دعمًا ماليًا وسياسيًا ثابتًا لوكالة الأونروا، إدراكًا منها لدورها الحيوي في حماية اللاجئين الفلسطينيين.
سياسيًا، يحمل هذا التحرك السعودي رسالة واضحة للمجتمع الدولي، مفادها أن حماية المدنيين ليست مسألة بيانات وتصريحات، بل أفعال ملموسة على الأرض.
وهو تأكيد على أن المملكة لا تزال تنظر إلى القضية الفلسطينية بوصفها قضية مركزية، وأن البعد الإنساني لا ينفصل عن الموقف السياسي الداعم للحقوق الفلسطينية المشروعة، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في الحياة والكرامة والحرية.
كما يعكس هذا الدعم مكانة المملكة العربية السعودية كقوة إقليمية مسؤولة، توظّف ثقلها السياسي والاقتصادي في خدمة الاستقرار الإقليمي، وترفض منطق العقاب الجماعي والتجويع، وتتمسك بمبادئ القانون الدولي الإنساني، خاصة ما يتعلق بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
إن تكثيف جسور الإغاثة السعودية إلى غزة لا يخفف فقط من وطأة المعاناة اليومية، بل يعزز صمود الفلسطينيين، ويعيد التأكيد على أن غزة ليست متروكة لمصيرها، وأن هناك من يقف إلى جانبها بالفعل لا بالقول.
ومن فلسطين، ومن قلب هذه المأساة المفتوحة، لا يسعنا إلا أن نثمّن عاليًا هذا الموقف، وأن نتوجه بالشكر والتقدير للمملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، على دورها الإنساني النبيل، الذي يرسّخ الأخوة العربية، ويؤكد أن فلسطين ستبقى حاضرة في وجدان وقرار المملكة، مهما اشتدت الأزمات وتعاظمت التحديات.