عبود بن علي ال زاحم
في كل مرة نتحدث فيها عن تطوير بيئات العمل، نقفز سريعًا إلى الأنظمة، اللوائح، الهياكل التنظيمية، والحوافز. لكننا نتجاهل أحيانًا العامل الأكثر تأثيرًا.. «مزاج» المدير.
نعم، المزاج.
ليس المقصود هنا الحالة العابرة التي يمر بها الإنسان، بل النمط القيادي الذي يصنع بيئة كاملة إما أن تزدهر.. أو تذبل.
المدير «النفسية» لا يُرهق فريقه بكثرة المهام بقدر ما يُرهقهم بثقل الأجواء. يدخل المكتب متجهمًا، يرد باختصار، يفسر المبادرات على أنها تحدٍ لسلطته، ويظن أن الحزم يعني الجفاف، وأن الوقار يعني الصمت القاسي. في حضرته، يتردد الموظف قبل أن يسأل، ويتراجع قبل أن يقترح، ويؤجل قبل أن يبدع.
المشكلة ليست في العمل.. بل في الشعور المصاحب للعمل.
الموظف قد ينسى قرارًا إداريًا، لكنه لن ينسى شعوره وهو يُقابل بالتجاهل، أو يُحجب عنه الضوء، أو يُختزل دوره في التنفيذ فقط.
وفي لقاء لافت ضمن برنامج الليوان مع الإعلامي عبدالله المديفر، أشار الأستاذ وليد الفراج إلى حقيقة عميقة حين قال إن المملكة تمتلك ثروة بشرية عظيمة، والموهوبون كثيرون، لكنهم يحتاجون إلى فرصة.. وإلى «مدير ليس لديه أمراض نفسية».
قد يبدو التعبير صادمًا، لكنه يختصر مشهدًا يتكرر في كثير من المؤسسات. لسنا أمام أزمة مواهب، بل أمام أزمة تمكين. لسنا أمام نقص في الكفاءات، بل أحيانًا أمام بيئة تخشى بروزها.
بعض المديرين يريد أن يكون النجم في كل شيء:
هو المتحدث في كل مناسبة، وهو الاسم خلف كل إنجاز، وهو الصورة الأبرز في كل تقرير.
يظن أن بروز الفريق يُنقص من قيمته، وأن مشاركة الضوء تهدد مكانته. بينما الحقيقة أن المنظمة التي يلمع فيها شخص واحد فقط.. منظمة مهددة. أما المنظمة التي يلمع فيها الفريق.. فهي منظمة مستدامة.
القائد الحقيقي لا يخاف من النجوم، بل يصنعهم.
لا يحتكر المنصة، بل يدفع بفريقه إليها.
لا ينسب الإنجاز لنفسه، بل يوزعه بعدل.
لا يرى في تفوق موظفيه خطرًا، بل امتدادًا لنجاحه.
الفرق بين المدير «النفسية» والقائد الواثق أن الأول يدير من منطلق الخوف، والثاني يقود من منطلق الثقة.
الأول يراقب التفاصيل ليُثبت حضوره، والثاني يزرع الثقة ليضمن الاستمرار.
وفي ظل التحولات الكبرى التي نعيشها، والاستثمار الوطني المتسارع في رأس المال البشري، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل قياداتنا تصنع بيئات تُطلق الطاقات؟ أم بيئات تُطفئها بصمت؟
الثروة البشرية التي نملكها ليست شعارًا.. بل مسؤولية.
والمواهب التي تزخر بها مؤسساتنا ليست عبئًا.. بل فرصة.
لكن هذه الفرصة تحتاج إلى قائد متزن، يفصل بين ضغوطه الشخصية وتعاملاته المهنية، يضبط انفعالاته قبل أن يضبط فريقه، ويدرك أن كلمة واحدة قد تصنع دافعًا يمتد لسنوات.. أو تُطفئ حماسًا في لحظة.
القيادة ليست صلاحيات، وليست حضورًا فرديًا طاغيًا.
القيادة أثر.. وتمكين.. وصناعة نجوم.
فاسأل نفسك - أيها المدير - حين يغادر فريقك مكاتبهم:
هل يغادرون بطاقةٍ وحماس؟ أم يغادرون بصمتٍ ثقيل؟
هنا يُقاس النجاح الحقيقي. وهنا تُصنع بيئات العمل العظيمة.