حمد عبد العزيز الكنتي
يبتلي الله عباده بالعديد من الابتلاءات سواء أكانت «بالنقم أو بالنِعمَ»، والتي تُصقل الإنسان، خصوصاً عندما تكون بالنقم فتطهره ليغدو في حالة أفضل، كما قال الفيلسوف جلال الدين بن الرومي (كن كالثلج الذائب.. طهّر نفسك من نفسك)، وكما قال الامام الشافعي (ثمانيةٌ تجري على الناس كُلِّهم، ولابد للإنسان يلقى الثمانية، سرور وحزن واجتماع وفُرقة، وعسر ويُسر ثم سقم وعافية).
نشعر أحياناً أننا نركض فراراً من الابتلاءات التي تطاردنا من هنا وهناك، وتتنوع في أشكالها وأنواعها، فإذا كنا في مرحلة الطفولة كانت بقدر تلك المرحلة كأن تقع في مشكلة ويعاقبك الأب بالضرب، أو يُوبخك المعلم بشيء من النصح والتوجيه، وهذه واضحة بيّنة.
لكن الصعوبات تكمن في ابتلاءات الكبار الذين لم يعد الضرب موجهاً لهم، فهنا تأتي الابتلاءات الحقيقية والعقوبات التي تتجسد في (تأنيب الضمير) الذي يمكن أن تحرق سياطه الإنسان، وتعصف به نحو الكثير من المعاناة والألم.
ويمكن أن تتجسد أيضاً في «الأمور المبعثرة» كأن تقف في حياة الإنسان عقبات يجد نفسه حائراً في فك خيوطها، وتحصل له أحداث يجد معاناة في فك طلاسمها! وتُقفل أمامه أبواب لا يجد مفاتيحها، وتُعرقله مُعضلات لا يهتدي إلى فك شفرات أسرارها! ليجد نفسه واقفاً عند باب الحيرة تائهاً في صحرائها، باحثاً عن المُخلِّص.
ومشكلة الشباب -خصوصاً الذين يفتقدون للكبير في حياتهم بل وحتى في بعض الأحيان الكبار- أنهم يحتارون أيضاً بسبب غياب المُوجِّه، وضياع البوصلة، فيجد الشاب نفسه أمام زحمة قرارات مبعثرة، يقف فيها أمام عدة مسارات لا يعرف أيهما أصوب، لتنشأ في قلبه حيرة يتشظى بنارها، في دائرة تكاد أن تكون صفرية يشعر فيها بشعور (مكانك سر).
ومن عقوبات الكبار أيضاً «عدم التسخير» من أبسط الأشكال إلى أكبرها، فيجد الإنسان نفسه محاطاً بوحدانية قاتلة، فالكل ينسحب في اللحظة غير المناسبة، والأبواب توصد في اللحظات غير المتوقعة، وحتى اللقاء الباسم يتحول إلى عبوس مرعب، لتتحول المسألة إلى نهايات صادمة، يتأرجح فيها بين الظن والحقيقة، قابعاً في باحة ألا يقين!
ويمكن أيضاً أن يكون (اللوم) من العقوبات خصوصاً عندما يأتي بطريقة مهذبة ويصاغ بأسلوب محترم فيجد المخطئ نفسه أمام كلمات يتمنى السياط بدلاً منها ويستمع إلى عبارات يتمنى لو أنه في تلك اللحظة كان في عداد الموتى!، وغيرها من التفاصيل التي يكون مبدأها حيرة الإنسان بين الصواب والخطأ، وبين الحقيقة وما هو عليه في الواقع، ليجد نفسه قد سلك مسارات لا يفهم أبعادها، لتدلهم عليه الأمور، وتتبعثر الأوراق في يديه، ويشتت ذهنه، ولم يعد يرى بقلبه، ولا يستوعب بعقله، فيقع في محنة لا يعلمها إلا الله، وفي ذلك قال القائل: (يُقضى على المرء في أوقات محنته.. حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن).
والمطمئن في هذا الأمر أن كل تلك العقوبات وغيرها قد تقع على كبار السن، وقد تصيب الشباب، ولو لم تكن الحيرة بين الصواب والخطأ وبين معرفة الحق والباطل عامة على الكل لما كنا رأينا في بعض أدعية النبي، صلى الله عليه وسلم، مثل هذا الدعاء «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه».
ودعاؤه صلى الله عليه وسلم «يا حي يا قيوم برحمتك استغيث فلا تكلني إلى نفسي أو إلى أحد من خلقك طرفة عين ولا أقل من ذلك وأصلح لي شأني كله»، وغيرها من الأدعية الكثيرة التي تؤكد أن علاج هذه الحيرة ودواء تلك الأخطاء يكمن في أن ينوّر الله بصيرة الإنسان فيستفتي قلبه، ويعرف أثر الذنب أو الخطأ في نفسه، ليسلك طريق الصواب، ويستفيد من ابتلاءات النعم والنقم في تصحيح جميع مسارات حياته، فما الابتلاءات سوى رسائل من الله تحتاج إلى أذن واعية، وما العقوبات والتعقيد سوى إشارات ربانية تحتاج من الإنسان وعياً يلاحظ ويرصد، ثم يسلك الطريق نحو النسخة الأفضل منه حيث الصراط المستقيم كما قال سبحانه: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}.