مجيب الرحمن بن عثمان
أؤمن باللقاءات بين الأصدقاء، بتلك الجلسات التي تُنعش القلب وتجدّد الصلة بين الأرواح، وتعيد للإنسان دفأه الإنساني وسط صخب الحياة. فالإنسان، في جوهره، كائنٌ اجتماعي، لا يكتمل إلا بالآخر، ولا ينضج إلا بالحوار.
لكنني لا أجد نفسي في بعض اللقاءات التي تتحوّل فيها القصائد إلى منصّات تمجيد، ويصبح الطعام بطل الأمسية، وتغيب الفكرة في زحام التصفيق. لستُ ضد المديح، ولا ضد الكرم، فهما من سماتنا الأصيلة، ومن ملامح ثقافتنا المتجذّرة. غير أن المشكلة تبدأ حين يطغى الشكل على الجوهر، ويعلو الصوت على المعنى.
الفكرة هي ما يمنح اللقاء قيمته، لا عدد الحضور، ولا طول القصائد، ولا فخامة المائدة. وحين يغيب السؤال، ويموت النقاش، ويُستبدل الحوار بزخرف العبارات، يتحوّل الاجتماع إلى طقسٍ يُعاد بلا روح. تُقال فيه الكلمات ذاتها، وتُستنسخ فيه المشاهد ذاتها، دون أن يُستفز عقل، أو يُحرَّك وعي، أو يُولد معنى جديد.
لسنا بحاجة إلى المزيد من المجاملات بقدر حاجتنا إلى مساحات آمنة للفكر. مساحات يُطرح فيها السؤال دون حرج، ويُناقش الرأي دون خوف، ويُختلف دون خصومة. فالفكرة لا تنمو في بيئة التصفيق، بل في بيئة الحوار.
إن اللقاء الذي أبحث عنه ليس مائدةً تُصفّق فيها الأطباق، ولا منصةً تُصفّق لها الأيادي، بل فضاء تُصفّق فيه العقول حين تلمس معنىً جديدًا. لقاء نغادره ونحن أكثر فهمًا، وأوسع أفقًا، وربما أكثر تواضعًا أمام الحقيقة.
الصداقة، في معناها الأعمق، ليست تبادل حضور، بل شراكة في الوعي. ليست صورةً تذكارية تُلتقط، بل فكرة تُولد، وأثر يبقى. فاللقاء الحقيقي هو الذي يُضيف إلى داخلك شيئًا يظل حيًا بعد أن ينفضّ الجمع، وبعد أن يخفت التصفيق.
ولا نحتاج إلى قصائد تمجّد الأشخاص، بقدر حاجتنا إلى حوارات تمجّد الفكرة.
فلتكن لقاءاتنا لحظة ارتقاء.. لا لحظة استهلاك.
ولنمنح عقولنا ما تستحقه من حضور.