عبدالوهاب الفايز
هل نحتاج الابتعاد عن سخونة الأحداث لأجل قراءة تاريخية وسياسية تتأمل المشهد الملتهب الآن في المنطقة؟
نعم، اليوم ربما نجدها فرصة للتدبر والاعتبار.. ويبرز أمامنا تساؤل جوهري حول الفارق المصيري بين الشعوب التي اختارت قياداتها (واقعية البناء)، وتلك التي ارتهنت لقيادات آثرت (سراب الثورة)؛ فبينما نجد أن الشعوب التي عرفت التنمية والاستقرار لفترات طويلة، كالشعب السعودي، قد حققت هذا التطور نتيجة وجود قيادة سياسية واقعية ركزت على الإعمار وأبعدت بلادها عن المشاريع الخارجية المدمرة.
في المقابل نجد أن دولا، مثل إيران، ظلت سجينة نموذج (الدولة المحاربة) التي تستنزف مواردها لتصدير أيديولوجيا طائفية جرّت عليها وعلى المنطقة الويلات، وجرت الشعب الإيراني من ضحيا المشاريع الاستعمارية الكبرى في المنطقة، وهو الآن يدفع ثمن جذور «الخطيئة الكبرى» التي ارتكبتها القوى الغربية حين دعمت الانقلاب على الشاه وأحضرت الخميني كبديل، خوفاً من وقوع إيران في حضن الشيوعية، متجاهلةً أن استقرار الدول يبدأ من دعم مؤسساتها الوطنية لا من (تثوير) أطماعها الأيديولوجية.
لذا، وحين تداهمنا الاحداث الكبرى ونرى مشاهد الخراب والدمار في المنطقة، نتذكر الدور الكبير الذي قم به الملك عبد العزيز، رحمه الله.
في تاريخنا الوطني دوما نجد نموذجاً فريداً لعبقرية التحول من (الحركة) إلى (الدولة)، حين أدرك الملك الموحد بوعيه التاريخي أن ديمومة الكيان تقتضي حتماً وضع القواعد والمبادئ الحاكمة لعمل الدولة ورعاية مصالحها العليا، ومعها (عقلنة الأيديولوجيا) وتقديم منطق السيادة الوطنية على أي طموحات عابرة للحدود؛ وهو ما تجلى في حسمه الصارم لمغامرات سياسية خرجت عن مشروع الوحدة الوطنية، مؤثراً بناء الداخل وتوطين البادية والالتزام بالمعاهدات الدولية على شعارات التوسع غير المنضبط.
بناءً على هذه القاعدة الصلبة، استمرت الدولة السعودية في مسار تنموي تراكمي وصولاً إلى «رؤية 2030» المعاصرة، التي تمثل ذروة الواقعية السياسية بتحويل الموارد الاقتصادية إلى استثمارات في الإنسان والتقنية والرفاه، والحمدلله ان بلادنا اليوم واحة استقرار ومنصة عالمية للاقتصاد، بعيداً عن المشاريع الأجنبية التي تقتات على الفوضى والحروب.
وعلى النقيض التام، أحدث وصول الخميني إلى السلطة في إيران عام 1979م زلزالاً هدم مفهوم «الدولة الوطنية» لصالح «الجمهورية الرسالية» التي لا تعترف بالحدود، فبينما كانت طموحات إيران في عهد الشاه محصورة في أطر قومية وجغرافية يمكن التفاهم حولها دبلوماسياً واقتصادياً كدولة جارة، تحول نظام إيران الجديد إلى مشروع طائفي توسعي يعتمد نظرية «ولاية الفقيه» التي ترفضها حتى المراجع الشيعية العربية التقليدية.
وبدلاً من استمرار التعاون المثمر الذي كان قائماً حين كان الناس في الخليج يقصدون مشافي شيراز وأصفهان للعلاج، اختارت طهران أن تكون «رأس حربة» لمشروع استهدف العواصم والمدن الخليجية أكثر مما استهدف خصومه المفترضين، بل إن هذا المشروع الثوري قدم أكبر خدمة مجانية للطموحات الإسرائيلية التوسعية عبر تدمير نسيج الدول الوطنية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتحويلها إلى «ساحات» لتصدير الموت والمليشيات، مما جعل الشعوب العربية تتخذ موقفاً حازماً تجاه هذا التغلغل الذي ظل سنوات يفاخر بالسيطرة على أربع عواصم عربية.
إن ما يحدث الآن من تصعيد عسكري مباشر وتوجه دولي نحو تقويض نظام إيران الذي دمر مقومات الشعب الإيراني وادخله في صراعات لا تنتهي، بعد أن أقحمت المنطقة في خمسة عقود من الاستنزاف؛ فإيران اليوم تحصد ثمار «لباس الثورة» الذي لم يورث شعبها سوى العزلة والفقر برغم ثرواتها الهائلة، وهو ما يثبت أن القوة الحقيقية للدول لا تُقاس بعدد المليشيات الولائية أو الصواريخ المهربة، بل بمدى قدرة القيادة على عزل شعبها عن الصراعات الصفرية التي لا رابح فيها، وتوجيه طاقاته نحو البناء.
والواقع يؤكد أن دول الخليج التي وجدت نفسها في قلب هذا الصراع المخيف، قد دفعت ثمن هذا الجوار الصعب منذ اللحظات الأولى، حيث لم يترك نظام الثورة فرصة إلا واستهدف فيها أمن واستقرار جيرانه، متجاهلاً أن إطلاق الحروب مهمة سهلة لكن حسم نهاياتها هو الاختبار الأصعب والأكثر مرارة. الآن يبقى النموذج السعودي القائم على واقعية الدولة وإعمار الداخل هو البرهان التاريخي والموضوعي على أن طريق النجاة الوحيد للشعوب يمر عبر «منطق الدولة» لا «جنون الثورة».
وعموما، يتضح أن المسارات التي يؤول إليها الصراع القائم اليوم تضع العالم أمام حقيقة لا يمكن القفز عليها، وهي أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يتحقق في ظل وجود أنظمة سياسية ترى في «تصدير الفوضى» وسيلة للبقاء، فبينما يرتكز الاستقرار السعودي على استدامة التنمية والالتزام بالقانون الدولي واحترام مصالح الشعوب، يرتكز المشروع الإيراني على استنزاف الموارد في حروب بالوكالة تسببت في خراب عواصم عربية كبرى، وهذا التباين في النتائج -بين ازدهار الرياض وانهيار طهران الاقتصادي- هو أصدق شاهد على أن القيادة الواقعية هي التي تدرك حتمية الدولة الوطنية، وأن أي مراهنة على الأيديولوجيا العابرة للحدود تنتهي بتمزيق النسيج الاجتماعي للدول قبل غيرها.
الدروس المستفادة من التاريخ تؤكد أن «الدولة» هي الوعاء الوحيد الذي يحفظ كرامة الشعوب، بينما تظل «الثورة» المستمرة متاهة تبتلع الحاضر ويتوه فيها الطريق للمستقبل، وهو ما يفرض على شعوب المنطقة - بالذات الشعب الإيراني - أهمية مراجعة أوضاعه لضمان عدم تكرار أخطاء الماضي التي منحت الأيديولوجيا الغلبة على حساب الاستقرار والنمو.
الشعب الإيراني يدفع اليوم ضريبة قاسية لما يسمى «وحدة الساحات». إن تورط إيران في دعم الأذرع المسلحة وجر المنطقة إلى حروب بالوكالة ضد القوى الكبرى لم يخدم المواطن الإيراني في شيء، بل أدى إلى تضخم جامح، وانهيار في العملة الوطنية، وعقوبات اقتصادية جعلت من بلد غني بالنفط والغاز يعاني شعبه من شظف العيش، والحرب الجارية تأخذه للماضي عقودا عديدة. الدمار الذي يلحق بالمنطقة اليوم نتيجة التدخلات الإيرانية هو برهان ساطع على أن «تصدير الثورة» لا ينتج إلا الخراب، وأن المليشيات لا يمكن أن تبني وطناً أو توفر مستقبلاً للأجيال.
إن المقارنة الموضوعية تقودنا إلى نتيجة حتمية: الشعوب التي عرفت التنمية والاستقرار هي تلك التي حظيت بقيادات واقعية ركزت على «الإعمار والبناء».
الملك عبد العزيز وبعد الانتهاء من مشروع الوحدة، اختار أن يبني «دولة» تعيش من أجل تحقيق الكرامة لمواطنيها، بينما اختار الخميني بناء «مشروع ثوري» عابر للحدود يعيش مواطنوه من أجل خدمته والتضحية في سبيله.
واليوم، وبينما تستقبل بلادنا زعماء العالم في مؤتمرات الاستثمار والابتكار، يواجه النظام الإيراني تبعات مشروعه الصدامي الذي وضع بلاده في مواجهة مباشرة مع القوى العظمى، مهدداً ما تبقى من مقدرات شعبه. ولله الأمر من قبل ومن بعد.