ناصر زيدان التميمي
تأتي كلمات الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لتضع حداً فاصلاً بين احتياجات الإنسان الحقيقية وشهواته العابرة، خاصة في تلك اللحظات التي يتدفق فيها المال بين أيدينا مع نزول الرواتب. إن هذا التساؤل الاستنكاري «أو كلما اشتهيت اشتريت؟» ليس دعوة للحرمان، بل هو منهج لتربية الإرادة وتحرير النفس من عبودية المادة، فالحرية الحقيقية لا تكمن في القدرة على الشراء بل في القدرة على الاستغناء.
إن الاندفاع خلف كل رغبة شرائية يضعف «عضلة القرارات» لدى الإنسان ويجعله عرضة للاستنزاف المالي والنفسي، وهو ما حذرت منه الآية الكريمة حين نبهت من ذهاب الطيبات في الحياة الدنيا بلا وعي أو تدبير. فالحكمة المالية تقتضي أن يكون العقل هو القائد والشهوة هي التابع، لأن تكديس الأشياء لمجرد الميل النفسي إليها يحول الإنسان إلى مستهلك عشوائي يفقد تدريجياً الشعور بقيمة ما يملك، ويغفل عن بناء مستقبل مالي ونفسي مستقري.
وفي عصرنا هذا الذي تمارس فيه الإعلانات ضغوطاً مستمرة لتزيين كل رغبة، يظل منهج عمر بن الخطاب هو الدرع الحصين الذي يحمي كرامة الإنسان من أن تُرهن في متاع زائل. فالزهد هنا ليس فقراً، بل هو غنى النفس الذي يجعلك تملك الأشياء ولا تملكك هي، ويجعل من راتبك وسيلة لتعزيز استقرارك بدلاً من أن يكون وقوداً لنزوات لحظية تنتهي بانتهاء بريق السلعة في يدك.